أما بعد، فإني أسأل الله لأمير المؤمنين في غابر أموره، أحسن ما عوده في سالفها من السلامة التي حرسه بها من المكاره، والعز الذي قهر له به الأعداء، والنصر الذي مكن له في البلاد، والهدى الذي وهب له به المحبة، والرفق الذي أدر له به الحلب، والاستصلاح الذي اتسقت له به الرعية، حتى يكون بما أعطاه من ذلك، وما هو مستقبل به منه، أبعد خلفائه في الخير ذكرا، وأبقاهم في العدل أثرا، وأطولهم في العمر مدة، وأحسنهم في المعاد منقلبا.
ثم نحمد الله الذي جعل نعمته على أمير المؤمنين شواهد منه على منزلته منه ومكانه عنده؛ لا يحتاج معها إلى شهادات المثنين، ولا صفات المقرظين، ثم جعل ذكر نعمته على أمير المؤمنين ومناصحتها والمجاهدة لمن كادها فريضة أوجبها على العباد، ومحبة امتحنهم بها، وفرقانا ميز به بينهم، فمن أصبح من رعيته أكثر شغله أن يستعمل لسانه في صفته، وذكر محاسنه وفضائله، ووجوب حقه وطاعته؛ فقد أصبح آثرا أولى الأمور وأحسنها مغبة في دنياه ودينه؛ ومن بدل ذلك عن قدرة عليه، ودفعه بعد معرفة، فلم يدعه إلا عن خذلان حاق به، أو بدعة استمالته؛ كانت حجة الله لأمير المؤمنين عليه هي الكافية لمئونته. وقد كان علماء الناس وجهالهم يسوون في عام المعرفة بفضل أمير المؤمنين؛ فأما الخاص فلأهل الفضل فيه فضلهم، غير أنه مهما كان من ذلك فقد أصبحوا وهم فيه على منازل ثلاث: حاسد حجب الحسد بصره عن مواقع الصواب أن يراه، والنعمة أن يشكوها، والحق أن يؤديه؛ وكانت معرفته عليه وبالا، وحسده إلى الضر
152
به قائدا. أو ذو هوى. قاده الهوى إلى البدعة وأخرجته الضلالة من الجماعة، فهو عرضة لسوء الأدب أو سيف النكال، لم يوحش الله أحدا بفقده، ولم يعزر أحدا بموالاته. وموفق معصوم
153
استنقذه [لله] بموالاة أمير المؤمنين من غل الحسد وبدع الآراء وجبله على صحة الهوى، فهو إن نظر فبعينه ينظر، وإن قال فبلسانه يقول، لا يأمن حتى يعلم أن أمير المؤمنين قد استوطأ مهاد الخفض، ولا يزال له طليعة رأي توفي على خطة حزم وغامض فطنة، تغلغل إلى لطيف منفعته و[تكون] سهم مكيدة نحو عروة،
154
قد علم أن يوم أمير المؤمنين يومه، وأن غده غده، فهو وإن تعرض لأداء الحق في نصيحته ينظر لنفسه نظر من لا يأمل السلامة إلا بسلامته، ولا البقاء إلا ببقائه. وقد رجوت بالقرابة التي جعلها الله لي به، والواجب الذي عرفته من حقه، والعظيم الذي حملته من معروفه، ألا يكون أحد ينظر إليه بعين الإشفاق أقوم ما جعله الله أهله مني، فإن أبلغ الذي أردت فبتوفيق الله، وإن أقصر فعن مثل ما حاولت قصر المجتهد.
فأول ما أنا ذاكره من فضله: أن الله قدم له الصنع في سابق علمه، فجعل محتده خير المحاتد عنصرا، ثم اختار له أبا فأبا لا ينقله من أب إلى أب إلا نقل معه وإليه فضيلة العنصر الذي هو منه حتى صيره بعد فضائل آبائه إلى أفضل بدنة، فكان خير خلف من خير سلف، وأفضل ولد من أفضل أبوة، وأرضى إمام من أزكى أئمة؛ ثم اختار له مكارم الأخلاق، وألبسه جمال الصورة، فلا نعلم نحن ولا آباؤنا خليفة أبعد في حلمه من ذل، ولا في هيبته من تجبر، ولا في شدته من عنف، ولا في لينه من وهن، ولا في أناته من غفلة، ولا في اقتصاده من بخل، ولا في بذله من إضاعة، ولا أرق وجها عند لقاء، ولا أحسن بشرا عند تحية، ولا أغزر دمعا عند موعظة، ولا ألين قيادا عند تذكير بالله منه.
ثم أفضت إليه الخلافة وفي المال ما فيه من القلة، وفي الناس ما فيهم من الإحراج،
155
فما دفع عن مال يعطيه عن قلة، ولا قطع عادة توسعة على رعيته؛ ثم استدر الحلب برفقه، فكلما در له منه شخب
156
فوقه
157
طائفة من جنده حتى سقاهم بعد التفويق ريا، وبعد النهل عللا؛ ثم ساس رعيته بألين السياسة فعفا عن مذنبها ولو شاء لعاقب، وآمن خائفها ولو طلب لأدرك، ودفع بالحسنة السيئة ولو كافأ لقدر، فما برح صنع الله له يفض جموع الضلالة بلا قتال، ويعز له النصر بلا مكاثرة، حتى فرغ بشغله من كان لا يفرغ من الوزارء، ونام بسهره من كان لا ينام من العامة، واطمأنت بمناآته