ومن أسباب ما يريد الله من الانتقام منكم، ما قد أزمع أمير المؤمنين وعزم عليه، وقذف الله في قلبه: من الإرادة والنية والرغبة في إيطاء الجيوش بلادكم، واستباء المقاتلة أرضكم، والتفرغ لكم من كل شغل، والإيثار لجهادكم على كل عمل، حتى تؤمنوا بالله وأنتم طائعون أو كارهون، وتؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فكونوا على عدة من الجزية، ويقين من الانتجاع الذي لا طاقة لكم إن شاء الله به، ولا صبر لكم بإذن الله عليه؛ فإن جنود أمير المؤمنين فارغة كثيرة، وخزائنه عامرة وافرة، ونفسه سخية بالإنفاق، ويده مطلقة بالبذل، والمسلمون نشاط إليكم، منقلبون عليكم، قد عودهم الله في لقائكم عادة يرجون انتظار مثلها، وأبلاهم في قتالكم بلاء من أمثالها، إن شاء الله.
وكتاب أمير المؤمنين نذيره بين يدي جنوده، ومقدمه إن شاء الله من جيوشه، إلا أن تؤدوا الجزية عن التي دعاك أمير المؤمنين إليها، وحداك ومن قبلك عليها، رحمة للضعفاء الذين لا ترحمهم، وتوجعا للمساكين مما لا توجع منه لهم من الجلاء والسباء والقتل والأسر والقهر، وقساوة من قلوبكم، وأثرة لأنفسكم، واعتصاما بخواصكم، وإجلاء لعوامكم الضعفاء الفقراء المساكين الذين لا تمنعونهم بقوة، ولا تدفعون عنهم بحيلة، ولا تراقبون في الرحمة لهم والتعطف عليهم، أدب المسيح إياكم، وقوله في الكتاب
148
لكم: «طوبى للذين يرحمون الناس؛ فإن أولئك أصفياء الله ونور بني آدم.»
وايم الله لو يعلم من قبلك من المساكين والزراعين والفقراء والضعفاء والعملة بأيديهم، ما لهم عند أمير المؤمنين لتحدروا عليه وأقبلوا إليه، من إيوائهم، وإنزالهم الأرض الواسعة، وإمكانهم من مسايل المياه السائحة، والعدل عليهم بما لا تبلغه أنت ولا تقاربه، رفقا بهم ونظرا لهم وإحسانا إليهم، مع تخليته إياهم وأديانهم، لا يكرههم على خلافها ولا يجبرهم على غيرها، لاختاروا قرب أمير المؤمنين على قربك، وجواره على جوارك، ولأنقذوا
149
أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأزواجهم وعيالاتهم، مما يحل بهم في كل عام ويلقون من كل غزاة. فاتق الله واقبل ما عرض عليك من الجزية، ولا يمنعنك ما فيه
150
الحظ لك ولأهل مملكتك. ونحن على رجاء أن الله لا يؤخر ذلك منكم ويدفعه عنكم، إلا ليجعله على يد أهل بيت النبوة والرحمة، ولأهل الوراثة فيهم للكتاب والحكمة، الذين لا يدخل عليكم في الإذعان [لهم] وأداء الجزية إليهم حمية ولا نقيصة ولا عار، والذين يفون لكم بما يعقدون، ويتبعون فعلهم ما يقولون.
ثم أمير المؤمنين بخاصة لما جعل الله عليه رأيه وفيه نظره من البر والرحمة والإقساط والوفاء بالعقود والعهود والشروط، نظرا لدينه وخوفا من ربه، ولما قذف الله في قلبه وقلوب المسلمين من المحبة والطاعة والأثرة، ولما جعلهم الله عليه من اجتماع الكلمة، واتفاق الأفئدة، والنصائح في السر والعلانية، وما عوده الله ممن نصب له بمجاذبة ورماه بمكايدة، وعراه بحيلة: من النصر العزيز، والفتح القريب، والظفر المبين. فابذل من الجزية ماشئت، وسم منها ما هويت. واعلم أن أمير المؤمنين ليس يحذوك عليها لحاجة به إليها ولا للمسلمين، ولكن طاعة لربه وأثرة لحقه، وليجعلها سببا لما يريد أن يجري فيما بينه وبينكم. وإنه إنما كان قبول المهدي - رحمه الله - الفدية منكم، بطلبة أمير المؤمنين كانت إليه، والحاجة كانت فيها عليه؛
151
ولم يكن من رغبة فيها، ولا حاجة إليها، ولا استعظام لها، ولقد كان يعطي في المجلس الواحد مرارا أمثالها، ولكن ذلك كان رأي أمير المؤمنين يومئذ فيكم. فأما اليوم إذ استبان له غدركم ونقضكم ونكثكم واستخفافكم بدينكم وجرأتكم على ربكم، فليس بين أمير المؤمنين وبينكم، إلا الإسلام أو الحرب المجلية، إن شاء الله. ولا حول بأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله؛ عليه يتوكل وبه يثق وإياه يستعين. والسلام على من اتبع الهدى. (3) رسالة يحيى بن زياد في تقريظ الرشيد