تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها: أن إخوان التجارات، وأصحاب الأموال وأهل الظلف والحافر، كانوا يتناولون ما شارفهم من بلادنا

143

وما قاربهم من أسواقنا ، فينفقون تجاراتهم ويغلون بضائعهم، فتعظم الأرباح وتضعف الأثمان. وكانت الباعة من تجار المسلمين وغيرهم من الذميين، يتناولونهم للبيع لهم ويتناولونهم للشراء منهم، فعمت البركة وسهلت المنفعة، حتى نالت الرعاء في جبالها وأقتالها،

144

والنساء في غزولهن وعمل أيديهن فضلا عن غيرهن.

ومنها: أنك ومن قبلك من ذوي العبادة والزهادة والتأله والنسك والنيات، كنتم على عافية من أيام الرضا بالحرب، وسلامة من أوزار الحض على قتال الخوف؛ قد نجوتم من معصية المسيح في الدنيا التي نهاكم عنها، والأمور التي أمركم بها، من نحو قوله:

145 «من لطم خدك الأيمن فأمكنه من الأيسر، ومن انتزع قميصك فأعطه كساءك، ومن لطمك فاغفر له، ومن شتمك فأعرض عنه.»

ومنها: أن من بأقاصي بلادك ونواحي حوزتك، قد ذاقوا تلك الأيام من لذة الخفض، ودعة الحال، وحلاوة الأمن، ورفاهية العيش، وسعة العافية من سباء أزواجهم، وهيض أولادهم، وحطم معاشهم، وأسر رجالهم، وغنيمة بقرهم وغنمهم، وإفساد شجرهم وثمارهم، وإجلاء عن مساكنهم وأوطانهم، ما لم يكن لهم رأي يعرفه، ولا ظن يبلغه، ولا طمع يقاربه، ولا أمل يذهب إليه. وما قد عرفت الخاصة من بطارقتكم، والعامة من أهل ملتكم به: من رأفتكم بهم، ورحمتكم لهم، وشفقتكم عليهم، وأثرتكم إياهم، وبركة ولايتكم ملكهم، ومنفعة سياستكم أمرهم، ما قد ازدادوا لكم به محبة، وفي بقائكم رغبة، ولأمركم طاعة، وعلى ملككم شفقة، وفيما نابكم نصيحة؛ مع ما قد ازددتم بذلك من الهيبة في صدور الأعداء، والشرف في قلوب النظراء، والعظم في عيون الأمم، حتى أقروا لكم بقوة عزائم العقول، وفضل سياسة الأمور، وصحة تدبير الملك، وصدق النية، ولطف الحيلة التي جعلوا نسبة عملكم بها، ومحل رأيكم فيها؛ على أنكم نظرتم لضعفائكم حتى قووا، ولفقرائكم حتى استغنوا، ولقرائكم حتى بينوا وحيو وقووا المسلمين

146

من أيام الحروب وأوزار القتال، ومعصية المسيح عليه السلام، ولأعدائكم الأبعدين وجيرتكم الأقربين، حتى كنتم من فراغكم لهم، واشتغالكم من أمركم بها ما أوطأتموه لحر سحر

147

القتل، وذل الأسر وغلبة القهر، والإذعان والاستسلام. وإما كفيتموهم بالصلح، واستوثقتم منهم بالرهن.

فإذا ذكرت ما كان من هذا وأشباهه وأمثاله في الفدية، فاعلموا أن أمثاله وأضعافه مقيم معكم في الجزية، فلا يكون لك رأي غيرها ولا أمر سواها؛ فلقد أكثر أمير المؤمنين العجب من أمركم، وأطال تقليب الفكرة في بعضكم، فظن أن إخراجكم من جميع ما كنتم فيه إلى خلافه مما أصبحتم عليه من انتظار وقعات الحروب، وصولات الجنود وأكل الحدود، وتوقع الجلاء والسباء والقتل، والأسر والحصر، شيئا اختدعكم الله عز وجل فيه عن أنفسكم وكيدا استدرككم به لما علم من قلوبكم.

ألا إن أعجب عذركم وأفظعه كان عند أمير المؤمنين إذ بلغه جرأتكم على الله عز وجل في نقض عهده، واستخفافكم بحقه في خفر ذمته، وتهاونكم بما كان منكم، وأنتم تعلمون أن مواثيق العهود ونذور الأيمان الذي وضعه الله عز وجل حرما بين ظهراني خلقه، وأمانا أفاضه في عباده، لتسكن إليه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، وليتعاملوا به فيما بينهم، ويقيموا به من دنياهم ودينهم؛ فما من ملك من الملوك ولا أمة من الأمم، تبيح حمى الله عز وجل، تهاونا به وجرأة عليه، إلا أجرى الله عليهم دائرة من دول الأعداء، وأنزل عليهم عذابا من السماء. وقد رجا أمير المؤمنين أن يجري الله نقمته منكم بأيدي المسلمين، بعد إذ كان اعتقد عهدكم، وأخذ ميثاقكم بالأيمان المغلظة، والعهود الموكدة، التي قد اعتقدها في رقابكم، وحملها على ظهوركم، فأشهدتم الله لها على أنفسكم، وتسامع بها من حولكم، وحكم بها بطارقتكم وأساقفتكم. فلا الله اتقيتم، ولا من الناس استحييتم، نكثا للعهد، وبغضا للمسلمين، وخترا بالأمانة، وإباحة للحمى. فتوقعوا العقوبة، وانتظروا الغيب؛ فلقد وثق أمير المؤمنين أن من عذاب الله ما هو حال إن شاء الله بكم.

عصر المأمون · الصفحة ٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٩٠