تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قالوا: إنما نعبد المسيح لأنه رفع إلى السماء، فليعبدوا الملائكة فإنهم في السماء قبله، وإدريس فقد رفعه الله وغيره. وإن كانوا يعبدون المسيح لأنه لم يخلق من ذكر، فآدم وحواء لم يخلقا من ذكر ولا أنثى، ولم يقعا من غم الرحم وضيق البطن وحال الصبا فيما [وقع] فيه المسيح.

وإن قالوا: إنما نعبد عيسى لأنه أحيا الموتى، فما أحيا حزقيل

138

أكثر، وما كان من اليسع تلميذ إلياس أعجب؛ لأنه أحيا الموتى بعد مئتين من السنين. وإن طلبتم ذلك في سير الملوك عند قصة اليسع أصبتموه، إن شاء الله.

وإن كانوا إنما يعبدون المسيح من أجل الأسقام التي أبرأ والعجائب التي أرى، فعجائب موسى أعجب وآياته أعظم. أين ما ذكرت لك من [عجائب] عيسى من عجائب موسى: من انقلاب البحر له، وسلوك الجيش معه! أم أين ذلك من حجر يضربه فينفجر بعيون الماء، ويحمله معه حيث شاء! بل أين تلك وهذه وغير هذه من الآيات من حبس يوشع الشمس

139

ثلاث ساعات! وكل ما صنع موسى وعيسى وغيرهما بإذن الله وأمره وقدره وقضائه. فاتق الله وكن من القائلين بالحق، الموحدين للرب، ولا تقل على عيسى ما لم يقل؛ فإنكم لا تجدونه قال لكم في شيء من كتبكم: اعبدوني فإني ربكم. تعالى الله عما يقول الظالمون، ويذهب إليه الجاحدون.

وإن أمير المؤمنين قد أحب أن ينصح لك، في أولى داريك بك وأهم شأنيك لك، فدعاك إلى الإسلام وأمرك بالإيمان الذي به تدخل الجنة وتنجو من النار. فإن قبلت فحظك أصبت، ونفسك أحرزت، ولك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم. وإن رددت نصيحة أمير المؤمنين فيما فيه الحظ في آخرتك، فإن أمير المؤمنين ينصح لك فيما فيه الصلاح في عاجلتك: من إعطاء الجزية التي يحقن الله بها دماءكم ويحرم بها سباءكم، ويجعلها قواما لمعاشكم، وصلاحا لبلادكم، وتوفيرا لأموالكم، وأمنا لجنابكم، وسعة لسربكم،

140

وبركة على فقرائكم، وغنى لأهل الحاجة والفاقة والمسكنة منكم.

ولن يذكر أمير المؤمنين في الجزية لكم من حلول الأمن فيكم، وعموم العافية إياكم، واستقامة البركة عليكم، وكف أيدي المسلمين عنكم، وبسطها على الأعداء منكم، شيئا إلا وفي قليل ما كان من أشباه ذلك أيام تلك الفدية التي كان الله أجرى نعمتها لكم على يده، وفتح بركتها عليكم من قبله، ما يدلكم على صدق أمير المؤمنين فيما يذكر، ويشهد له على حقه فيما يقول إن شاء الله. فقد تعلمون أن الله قد أدخل على كل طرف من أطرافكم، وصنف من أصنافكم، بتلك الفدية، أمورا عظيمة البركة، واسعة المنفعة، في أمور غير واحدة: منها: أن قادة جنودكم وساسة حربكم، كانوا بعد وقوع أمرها واستحكام عقدها، فراغا لمحاربة أعدائكم ومناصبة من ناوأكم، بين أن يستعجموهم

141

في بلادهم وينزلوا عليهم في ديارهم، ولا يرهبون تعقب بشر إن ساروا في أرضهم، ولا يتخوفون طرادا إن اجتمعوا لقتالهم أن يقيموا في خفض ودعة، وأمن وسعة، مع الأزواج والأولاد والعيال والأوطان والرباع والمحال، وهم اليوم يترقبون الجيوش من كل شعب ويتخوفون الحتوف في كل وقت، لا يهدأ

142

لهم جأش، ولا يسكن لهم فزع، ولا ينام لهم ليل، ولا يأمن فيهم حال، قد قطعت الهموم دابرهم، وأضمرت المخاوف جنوبهم، واستأصلت الجنود أموالهم.

ومنها: أن أهل الحراثة وإخوان العمارة، في بلادك وأطراف أرضك، كانوا سراعا إلى عمارة أرضهم وإصلاح ما تحت أيديهم، فيما لا قوام لهم ولا لمعاشهم إلا به، ولا بقاء لدينهم إلا معه؛ قد أمنوا الجيوش ومعرتها، والجنود وبادرتها، وانتشروا للعمارة، وابتكروا في الزراعة، فارقوا رءوس الجبال وإقحام الغياض، وراحوا في أوساط أوطانهم وظلال محالهم، يشققون الأنهار، ويغرسون الأشجار، ويفجرون العيون، حتى نمت الأموال، واخضرت الحال، وأخصب الجناب؛ وأصبحوا اليوم عن الزراعة ممسكين، وللحراثة تاركين، وبغيرها مشتغلين في إصلاح آلات الهرب، وإحراز العيال في الحصون، ورم القلاع للجلاء، وتحريش الحصون للبلاء، قد انتقلوا عن منابت البر وكرائم الأرض، ومجاري المياه، إلى أوشال الجبال، وأشجار الغياض، وبطون الأودية؛ فليس يبلغون من عمارة بلادهم، ولزوم أوطانهم، [و] من تناول ثمارهم وقوام معاشهم مثل ما كانوا يبلغون، ولا ينالون من خفض العيش وطيب الأمن ولذة الدعة، قريبا مما كانوا ينالون.

عصر المأمون · الصفحة ٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٨٩