تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

111

من اليهود بصلبه! ولم سلط على أهل دينه يتبعون في كل شعب ويقتلون بكل واد!

وقل للذين يقولون : إن الخالق في كل مكان من السماء والأرض وغير ذلك: أيهما أعظم: المحيط المشتمل، أم المحاط المشتمل عليه كما يقولون؟ تعالى الله عما يشركون. فإن قالوا: إنما التحم بعضه دون بعض، فقد حدوا وبعضوا ونقصوا وانتقصوا، وإما قالوا فلن يجدوا بدا من أن يقولوا: إن بعض المسيح الذي جعلوه ربهم، وهو إله عندهم، ميت بعضه جيفة، وإن بعضه حي طيب؛ لأنهم زعموا أنه التحم بجسد حي فيه روح، فلا بد إذن أن يدخل عليه ما يدخل على الأجسام الحية من الخوف والفزع والفرح والعطش وأشباه ذلك، وهو عندهم كفر عظيم وإفك مبين، فاتق عقوبة الله ربك، ولا تمش مكبا على وجهك، ولكن اطلب والتمس وابحث؛ فقد قال عيسى عليه السلام في الإنجيل: «من

112

سأل أعطي ومن طلب وجد ومن استفتح فتح له».

اجمع العلماء والبصراء [الذين] عندك، والأساقفة والرهبان الذين قبلك، فقل: لأي شيء نسبتم المسيح إلها وجعلتموه ربا؟ ونجد الله سماه في الكتاب ابنا، وقد تجدونه قال: «إني أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم أيضا.» وهذا كلام يحتمل وجهين أحدهما أولى به، وقول لا يحتمل إلا وجها وهو الربوبية. أم كيف تنظرون إلى كلامه: «أذهب إلى أبي وأبيكم» فتفردونها في نفسه وقد قالها فيه وفي غيره!

فاتق الله وكن من القائمين بالحق، الموحدين للرب. إن أمير المؤمنين قد ضرب لك أمثالا جمة، وصرف إليك مسائل كثيرة، وبين لك من آيات النبي

صلى الله عليه وسلم

وعلامات الوحي قليلا من كثير، واضحا من تفسير، لا تمتنع العقول من التصديق به، ولا القلوب من الإقرار به.

وسيذكر لك أمير المؤمنين من علامات النبي

صلى الله عليه وسلم

في التوراة والإنجيل، ما يكتفى به، إن شاء الله، وباليسير منه؛ لأن كتب الله عز وجل محفوظة، وحججه محروسة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها. وإذا وجدت فيها كلمة تدلك على حق وتهديك إلى رشد، فلست واجدا أخرى تصدك عنه وتشككك فيه، إذا تلي ذلك بالحق ووضع على الصدق. ولكن ضلت اليهود والنصارى بتحريف تأويل الكلام، وتصريف تفسير الكتب. وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق.

من ذلك ما قد شهد به عيسى عليه السلام عندكم وبينه في الإنجيل لكم، إذ قال للحواريين:

113 «أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له، وهو يشهد علي وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس بالخطيئة، وكل شيء أعد الله لكم يخبركم به.» وترجمة البارقليط: أحمد. هذا ما لا شك ولا مرية فيه، وهو الذي يخبر بما وعد الله المؤمنين وصالحي الحواريين في القرآن؛ ولستم تجدون ذلك في التوراة ولا في الإنجيل.

ومن ذلك قول أشعيا

114

النبي عليه السلام: «قيل لي: اقم بطارا ما ترى بخبري؟

115

قال: أرى راكبين بعيرين مقبلين أحدهما يقول لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها

116

المنحوتة.» ولسنا نعلم نبيا ركب بعد موسى

صلى الله عليه وسلم

بعيرا إلا محمدا

صلى الله عليه وسلم

كثيرا.

ومن ذلك قول دواد عليه السلام:

117 «اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنهم بشر» يقول: كي يتبين الناس أن عيسى عليه السلام إنسان. ولسنا نعلم نبيا وضع سنة تنسب إليه إلا محمدا

صلى الله عليه وسلم . أما عيسى فإنه نصب سنة موسى عليه السلام.

ومن ذلك قول حبقوق

118

المتنبئ في زمان دانيال: «جاء الله من السماء

119

والقديس من جبال فاران، وامتلأت السماء من تحميد أحمد وتقديسه، ومسح الأرض بيمينه، وملك رقاب الأمم.» وقال أيضا:

120 «تضيء لنوره الأرض، وتحمل خيله في البحر.» فإلى من ينحو هذا القول، وإلى أين يذهب بهذا المعنى؟ لئن ذهب به إلى غير الذي [تحمل]

121

خيله في البحر، وبدأ من جبال فاران أمره، وغلب على الأرض ومسحها،

عصر المأمون · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٨٧