فلئن قلت سميت كل جزء من الأجزاء على حياله إنسانا، وكل جزء من الشمس دون أصله شمسا، ونسبت فعل الأصل إلى بعض أجزائه، وتركت أن تنسب الأصل فاعلا ببعض الأجزاء، كما تقول : بسط الإنسان بيده، ومشى برجله، ونظر بعينه، ثم ضربت ذلك لله عز وجل مثلا وجعلت الله له قياسا، فقلت: الأصل واحد، وهو الله عز وجل، والأجزاء كثيرة وهي أب وابن وروح القدس، وكل جزء منها إله على حياله ورب دون غيره، لم تجد بدا أن تلحق اليد والعين والنفس بالأب والابن وروح القدس، فتكثر آلهتك، وتحدد ربك، وتترك قولك: إن الله ليس محدودا ولا مجزأ ولا مبعضا؛ إلا أن يكون إنما تريد مذاهب الأسماء فتقول: المعنى واحد، وهو الله عز وجل، والأسماء أب وابن وروح القدس. فإن كنت تقول هذا وكنت إنما تعبد أسماء، فما تجد بدا من أن تعبد الأسماء كلها وتقول: إنها آلهة على حيالها، حتى تقول باسم ارحمني، وبثان اغفر لي. فاتقوا الله يأهل الكتاب؛ فإن الله عز وجل ليس بأب ولا ابن ولا اسم، ولكن له الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون.
فإن أشارت الأساقفة إلى بعض الإنسان باليد والرجل وأشباه ذلك وقالوا ليس إنسانا، فقل لا، ولكنه للإنسان، وقل هو إنسان بكماله. وكذلك إن أشاروا إلى بعض الشمس فقالوا: أليس هذا الشمس طالعا، فقل لا، ولكنه بعضها، ولو كانت الأسماء التي تقع أبصاركم عليها وتشير أيديكم إليها من الشمس والسماء والهواء شمسا وهواء وسماء لكانت الشمس والهواء والسماء أكثر مما يبلغه الإحصاء. ولو قصدت بالإجابة لمسالك هذه الأودية، لبطلت الحجج الداحضة وانقطعت الأقاويل المناقضة. وسل من قبلك من أساقف أمتك وشماسة أهل ملتك الذين يزعمون أن عيسى المسيح، ويرفعونه أن يكون عبدا: على أي شيء وقع اسم المسيح من عيسى: على الروح أم الجسد أم على كليهما؟ فإن قالوا: وقع على الروح نفسه، لأن الروح إله دون غيره، فقد أقروا بأن إلههم يأكل ويشرب، ويمشي ويركب، لأنهم يجدون ذلك من فعل عيسى مبينا قبلهم، موصوفا عندهم. فإن قالوا: وقع اسم المسيح على الجسد بعينه، فكان الجسد هو المسيح إذن دون غيره، والمسيح إذن مخلوق عندهم، والإله إنسان إذن مثلهم، فلم يعبدون المخلوق ويدعون من خلقه وبرأه. وإن قالوا: وقع الاسم على الروح والجسد جميعا، فلن يجدوا مخرجا ولا بدا ولا محيصا، إذا أوقعوا الاسم عليهما، من أن يضيفوا الأعمال إليهما، فيقولوا: إن الجسد المخلوق هو خلقهم، وإن الروح الخالقة قد ماتت قبلهم، وذلك لما يجدون من ذكر موت عيسى عليه السلام في الكتب عندهم وفي الإنجيل الذي قبلهم. وسل من قبلك عن الأب والابن، فقل أيهما أعظم وأيهما أصغر؛ فإن قالوا: الأب أعظم والابن أصغر، فقد جعلوهما متباينين. وإن قالوا: هما واحد وكلاهما عظيم، وليس الأب بأعظم من الابن، ولا الابن بأصغر من الأب، فقد نقض حينئذ جوابهم، وأكذب المسيح عليه السلام كلامهم، حيث يقول: «لو كنتم
109
تحبونني لفرحتم حيث أذهب إلى إلهي فإن إلهي أعظم مني» فلم يقل أعظم مني، إلا وهو مقر بأنه أصغر منه. وسلهم عن قول المسيح:
110 «أنا أذهب إلى إلهي وإلهكم»، فقل: من هذا الإله الذي ذهب عيسى إليه
صلى الله عليه وسلم : إله في السماء متباين منه منقطع عنه؟ فهما إذن اثنان متباينان، أم إله كان به متصلا وكانا جميعا واحدا؟ فكيف إذن يجوز له أن يقول إذن أذهب إليه! إلا أن يقولوا: إن بعضه ذهب إلى بعض! وهذا مما لا يجوز عندهم في صفة الرب عز وجل.
وسل من قبلك: أخرج المسيح من بطن أمه مريم بكماله حتى كان البطن منه فارغا وكان هو منه بكماله خارجا؟ فإن قالوا: نعم، فقد انكسر قولهم: إن الله بكل مكان. وإن قالوا: لم يخرج المسيح ولم يخل البطن، فقد كذبوا إذن في قولهم: إنه قد خرج، وأقروا أنه قد ولد. فتعالى الله عما يصفون، وتنزه عما يشركون. وسلهم لم هبط عيسى إلى بطن مريم، وتجسد باللحم والدم؛ فإن قالوا: ليمحق الخطايا من الأرض ويربط الشيطان عن الخلق، فقل: كيف إذن لم يربطه عن نفسه! وكيف جلاباه