فإن قلت: إن محمدا
صلى الله عليه وسلم
خبرهم بما عاينوه وأدركوا خلافه، نقل: إنه أراد أن يفرقهم عنه ويوحشهم منه، وأحب أن يرموه بالكذب، ويقذفوه بالحمق، ويصموه بالجنون، ويظنون
108
به الظنون، كلا! ما كان نبي ولا غير نبي ليجاهد أقواما بخلاف ما رأت أبصارهم وشاهدت آباؤهم، فيخبرهم بخلاف ما شهدوا، وتكذيب ما عاينوا. فلا تكونن في هذا من الممترين، ولا بأمر الفيل من المكذبين.
فلعمر الله لو كان من أمر النبي
صلى الله عليه وسلم
ما تلحد أنت وقومك إليه لما قام معه رجلان ولا اختلف فيه سيفان. وإن فيما صنع الله عز وجل بالفيل وأتباعه، دلالة على قبلة الله وأنبيائه. فاتق الله! فقد شرح أمير المؤمنين علامات النبي
صلى الله عليه وسلم
وكشف الأغطية لك عن النور بآيات الوحي. فإن مالت الأهواء بك، وغلبت الأساقفة عليك، وحضرك الرؤساء الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى بلا حجة عندهم، ولا سلطان أتاهم فقل: أنبؤني عما اجتمعت عليه النصرانية وذهبت إليه بهم المعاني من تشقيق الكلام وتصريف الكتب: أحروف تتعسفونها، أم لغة تعرفونها؟ فإن قالوا: إنهم بغير لغة يتكلمون، فهم إذن قوم يلعبون. وإن قالوا: إنهم يتكلمون بلغة معروفة ومعان معلومة، فقل: أخبروني عن قولكم: أب وابن، أهما ما تعترف العقول من المنطق ويقع في القلوب من المعنى أم لا؟ فإن قالوا: لا ليس ذلك بالذي تذهب أوهام العباد إليه، ولا بالذي تقع الحقائق في الآباء والأبناء عليه، إنما هو كقول الله عز وجل في التوراة لإسرائيل: «بكرى» لا يعني ولادة الرحم؛ وكقول المسيح عليه السلام للحواريين: «أنتم إخوتي» لا يعني أخوة النسب. فذلك قول لا يجدون معه بدا من أن ينسبوا عيسى عليه السلام عبدا. وإن قالوا: بل هو ما تجري به ألسن العباد، ويقع في قلوب الخلق من الولادة المعروفة والأبوة المعلومة، فليخبرونا متى كان الأب والدا، والابن مولودا: أقبل الولادة أم بعدها؟ فإن قالوا: قبلها، رجعوا عن القول الأول بتثبيت الأبوة. إلا أن ذلك ليس بالشيء الذي تذهب إليه الأوهام، ولا بالمعنى الذي يقع في قلوب الأنام.
ولا بد إذا سقطت الولادة المعروفة وبطلت الأبوة الموجودة، أن يقولوا: إن الأب والابن اسمان علقا على غير معنى، ونسبان أضيفا إلى غير حق؛ فيقرون أن عيسى عليه السلام خلق مثلهم، وأنهم يتكلمون بغير لغة أحد منهم. وإن قالوا: إنما كان الابن مولودا والأب والدا بعد الولادة، فقد أقروا بأن الابن حدث مخلوق وعبد مربوب، لقولهم إنه لم يكن حتى ولد، ولم يولد حتى خلق. وقل لمن يقول الزور العظيم، ويقذف بالإفك المبين: أليس الأب أبا على حياله ولم يزل، والابن ابنا نجل، وروح القدس كذلك؟ فإن قالوا: نعم، فقد أقروا بأنهم ثلاثة متباينة، وقعت عليهم ثلاثة أسماء متفاوتة، وتركوا قولهم: إنهم ثلاثة أصلهم واحد.
وإن قالوا: الأب والابن وروح القدس واحد، ولكن بعضه أب وبعضه ابن وبعضه روح القدس، فقد دخلوا في التحديد الذي هو عيب عندهم، وقالوا في التبعيض بما هو كفر قبلهم. وإن قالوا: ليس مبعضا، ولا مجزأ، ولا محدودا، ولا ثلاثة متباينين، فإذا هم قوم يلعبون: يقولون: الأب ابن، والابن أب، والوالد مولود، والمولود والد، والكبير صغير، والصغير كبير، والقليل كثير، والكثير قليل. وهذا من أبين المحال وأخلف المقال. وليس من المنطق ما لا يوجد في لغة عرب ولا عجم، ولا لسان أمة من الأمم. وإنما أرسل الله عز وجل كل نبي بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله الظالمين. ولولا ذلك لما فهمت الأمم مذاهب أقاويل الرسل ولا معاني أحاديث الكتب. فلا تطع الذين يلعبون بأنفسهم، ويتكلمون بغير لغتهم، ويقولون: الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة؛ وهذا محال في مجاري المقال، ومعاني الفعال.
لعمر الله لئن اتهمت عقول الأساقفة على دينك، واهتممت بالنظر في توحيدك، لتعلمن أن الواحد لا يكون ثلاثة وأن الثلاثة لا تكون واحدا، إلا على وجه ما له ثان يقول به، ولا منه مخرج تستريح إليه. فألق نحوه سمعك، وأنصت إليه فهمك؛ فإن أمير المؤمنين واصفه لك، وليس واقعا إلا على المخلوقين، ولا لازما غير المحدودين، ولا داخلا على رب العالمين: وهو أن يكون الشيء أصله واحد وأجزاؤه كثيرة، من نحو الإنسان، وهو أصل يجمعه اسم، وله أجزاء تلزمها أسماء؛ فليس الجزء بالأصل، ولا الأصل بالجزء، ولكن الجزء بعض الأصل. فإذا أردت الجزء، قلت يد الإنسان وسمع الإنسان. ولولا أنه محدود مخلوق مجزأ مبعض لما جاز هذا القول فيه ولا دخل هذا المثل عليه؛ وكذلك الشمس: الأصل واحد، وهي شمس، والأجزاء كثيرة وهو عين الشمس وضوء الشمس وشعاع الشمس ودقيقها وغليظها وحرورها وأعلاها وأسفلها وأشباه ذلك.