تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قالوا: اتفقت الرجال على الزيادة فيه وأمكنت الحال من الحمل عليه، فليعلموا أن المؤمنين المخلصين ليسوا في الزيادة متهمين، وأن المنافقين الملحدين ليسوا على ذلك بقادرين. وكيف يقدر القليل من المنافقين على مخالفة الجمع من المؤمنين، بعد ما حفظته قلوبهم، ووعته أسماعهم، ثم تكتتم القدرة لهم وتستتر الزيادة منهم! هذا ما لا يقدر عليه منافق، ولا يطيقه مشرك ولا فاسق. وايم الله أن لو قدرت اليهود على الزيادة في الإنجيل، لأفسدوا كتابكم وغيروا دينكم؛ ولو جعل الله المنافقين على الزيادة في كتابه قادرين، لبدلوا ديننا وغيروا حالنا. ولو كانوا لذلك مقرنين وعلى ذلك مقتدرين، لكان الذي كتب به أمير المؤمنين إليكم، وأورده من حجج الله عليكم، أولى ما تلقون، ورأس ما تقترفون. فلا تلقين إلى ما قاله [المضل] سمعك، ولا تنصت الدهر إليه ذهنك، فإنه اتخذ الشك في كتابنا ذريعة إلى الإخلال بكتابك، وسلما إلى الشك في دينك

103

وعلة في الطعن على ملتك؛ ولكن قل يا ولي الشيطان: أنى وقع لك إيمان بأنك من ولد فلان؟ أتقول: شهدت الجيرة، واجتمعت العشيرة، واتفق المختلفون، فذهب الشك، وزال الريب، ووقع الإيقان، من غير العيان؟ صدقت. فما بال الشك فيما اجتمعت العامة على القول به، واتفقت الجماعة في الشهادة عليه من آيات الكتب وبينات الرسل! وإن ذهب بهذا عن أمره، وباعده

104

عن شبهه، فنؤمن أنه من نطفة خلق، ومن رحم خرج، فإن جحدوا بي ألا يؤمن بما لا يرى، فقل: أرأيت لو كنت سميعا أعمى، أكنت تؤمن بشيء مما في الدنيا: من سماء أو هواء، أو بحر أو سبع، أو أرض أو جبل، أو شبه ذلك مما لم يدركه العيان ولم يقبله إلا عن الناس؟ فإن قال نعم، فقل: فهل لك إلا بالاجتماع الكفر بالرب،

105

وما لدائه دواء غير الصلب. فاتق الله إذ كنت إماما وقائدا لأهل ملكك، لا تقدهم إلى النار فتحمل أوزارهم مع وزرك.

فإن من أبين آيات الوحي، وأدل علامات النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه لا يبتدع في الدين أمرا من تلقاء نفسه، ولا يتقدم في الأمور بين يدي ربه. والله أظهر فيما أنزل من الكتاب أمورا كان يحسبها

صلى الله عليه وسلم

مستورة، فقالت تأديبا له، وإخبارا لمن آمن من بعده:

106

وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . وقال:

عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة . وقال تعالى:

ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا . وقال له حين صرف قلبه عن بيت المقدس إلى البلد الحرام حين سكنت القلوب إليها، وأنست النفوس بها:

ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير . وكانت القبلة التي صرفه الله إليها وأمره بها عظيمة على المنافقين واقعة بخلاف الكافرين، كبيرة

107

إلا على الذين هدى الله من المؤمنين؛ فإنهم قالوا: إذا اختلفت القبلتان وافترقت الجهتان، كانت الطاعة فيهما واحدة لا اختلاف فيها ولا افتراق عليها. وكيف تختلف الطاعة من رجل بنى بأمر الله عز وجل ثم هدم بوحي الله.

فإن قلت: إن الله حوله عن أفضل القبلتين وأقوم الجهتين، فلا سواء في الفضل البين والخير السر: قبلة سلط الله عليها الكافرين ولم يمنعها من الظالمين، وقبلة منعها بجنود من عنده، وعصمها بغير ما حول من خلقه ولا حرمة يدعيها أحد ممن فيها؛ فأرسل طيرا أبابيل ترمي الأعداء بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. فإن تقل: هذا خبر ننكره، وقول لا نعرفه؛ فبأي حديث بعد هذا تؤمن، وتشهد لله عز وجل أنه من قبله، وأنتم تعلمون أنه أنزل الله عز وجل سورة الفيل على قوم أدركه منهم بشر كثير.

عصر المأمون · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٨٤