ولئن رجعت إلى قلبك، لتقولن في نفسك: لعمر الله لو كان هذا الأمر الذي طلع طلوع الشمس، وامتد امتداد النهار فبلغ مشارق الأرض ومغارها، وسهول الآفاق وحزونتها، حقا وصدقا وعدلا، لبشرت الكتب به، وتنبأت الرسل عليه، ودعت النذر إليه، تزيينا له وترغيبا فيه، وأمرا به. ولو كان ضلالة وجهالة وعماية، لتقدموا في التحذير منه، والتزهيد فيه ، والتثبيط عنه؛ فيدعو ذلك إلى أن تنظروا
97
إلى كتب الأنبياء وأقاويل الرسل. فايم الله لئن طلبت لتجدن، ولئن اجتهت لتوفقن، وما الصواب بممنوع، ولا الخير بمحظور. ولقد كانت العلماء بالكتب والبصراء بالتأويل تجده، ولكنها كانت تكتمه بتحريف كلام الكتب عن مواضعه، وصرف تأويل الحكم إلى أشباهه، حسدا من عند أنفسهم وبغيا بعد ما تبين لهم. ثم لقد اقتديتم بهم وجريتم معهم وأخذتم عنهم، بلا حجة لكم، ولا قوة معكم إلا الاقتداء بالآباء والاتباع للآثار. فاتق الله في نفسك، واتهم الرجال على دينك، ولا تجعل النظر إلى غيرك من ذوي الشك في القلوب، والفسخ في
98 ... والتهم في التعطيل، الذين لعلهم يعرض لآرائهم ويقع في أوهامهم أن يقولوا: فلعل ما يتلو عليكم أمير المؤمنين من آيات القرآن، ويقرع لكم من حجج الوحي شيء زيد في المصاحف بعد النبي
صلى الله عليه وسلم . وهذا ما لا يحتمله عقل صحيح ولا نظر قوي، وذاك الشاك في شهادات الرجال، متفقة من بلدان وأمصار مختلفة، وشعوب وقبائل متفرقة، ليس يدعوهم إلى ما شهدوا دين، ولا يحملهم على ما اتفقوا عليه دنيا، لا يستقيم له أن يؤمن
99
بما لم تدركه جوارحه وتحيط به حواسه؛ لإسقاطه حجة الإجماع وإبطاله شهادة العوام. واتفاق المختلفين دلالة واضحة. فهو سائلكم عن الحجة في الإنجيل والبينة على التوراة، شكا في الرب وتكذيبا بالرسل، فما كنت قائله له أو مجيبه به في كتابكم، فأجبه بمثله في كتابنا وإن كانت الأحوال منها غير معتدلة ولا مؤتلفة ولا مرتفقة ولا واحدة، تعتدل حالاهما، ويتفق أمرهما، من كتابكم ما لم تنزل به الملائكة وحيا كالقرآن، ولم يشافه المسيح به أصحابه باللسان، إنما كان فعلا أثبت من بعده، ولم يكن الفعال موضوعا بعده.
100
وليس يكتب أمير المؤمنين بهذا إليكم شكا فيه، ولا يورده عليكم مرية به.
ولقد علم أمير المؤمنين أن كتب الله عز وجل محفوظة، وأن حججه مخزونة، لا يزاد فيها على تقادم عهد، ولا ينتقص منها على تقارب دهر، وأن ذلك ثبت في الإنجيل من بعد عيسى عليه السلام، وأنه قال لمن اجتمع إليه من الحواريين: «بالوحي أكلمكم، والأمثال أضرب لكم.» فأمثاله المضروبة كلام، وكلامه الرائع وحي. ولكن ما بال الشك ينفى عن كتابكم، بحجة الاجتماع عليه عندكم، وهو على ما وصف أمير المؤمنين لكم، وسيان في تنزيل كتابنا، وقد أدرك شهادة دينه، إما ما قربا
101
من عهده ومعاينة وحيه واجتماع على حفظه، هذا حكم مختلف.
فقل للذين يشكون فيه ويرتابون به: أوقعوا أوهامكم على حالات الأوقات التي تعرفون وقوعها
102
بطبقات الرجال الذين يتهمون.
فإن قالوا: أما طبقات الرجال التابعين، وحالات زمان أمير المؤمنين، فذلك ما لا يسوغ الأقاويل فيه، ولا تدخل الشبهة عليه، لانتشار القرآن وامتداد الزمان وكثرة الحملة لآياته فيهم، والحفظة للسانه منهم؛ ولكن الدين الذي نزل به القرآن، وقبض النبي
صلى الله عليه وسلم
بين أظهرهم. وكيف بوقوع تهمة أو دخول شبهة، على أقوام [لبث] النبي
صلى الله عليه وسلم
عشرين حجة فيهم يتلو كتاب الله عز وجل في كل عام عليهم، حتى حملوه في صدورهم، وحفظوه في قلوبهم، وكرر في آذانهم مسموعا، وأمر على أبصارهم مكتوبا، وجرى على ألسنتهم متلوا، وجمعه كثير منهم محفوظا؛ ثم توارثوه فيهم وتداولوه فيما بينهم، حتى أدوه إلينا، وأوفوا به عندنا، من مواضع متفاوتة، وأصناف وأجناس متباينة، على كلمة واحدة!