فلما أقام بينته، وثبتت حجته، ووجب حقه، وقضى به له، قيل له: وكيف توسعت الأمور عليك، وضاقت المقالة لك، أن تقول: إن الله لا يبعث نبيا بعد محمد
صلى الله عليه وسلم
ولا وحيا ينزل غير القرآن، فأبطلت الكتب المحدثة، وأكذبت الوثيقة، ولم تترك وحيا غير القرآن، ولم يجز للنصارى أن تقول: لا نبي بعد عيسى عليه السلام، ولا كتاب خلف الإنجيل؛ وعن ذلك من أخبار الكتب ما قلنا كل متنبئ
95
بعد نبينا كذاب، فشاعت وجازت الحجة، ووضح العذر. وأما النصارى فيجدون في أواخر كتبهم، وأقاويل رسلهم، أن الله عز وجل، يبعث نبيا حديثا، وينزل كتابا جديدا، فليس لهم أن يكذبوا نبينا
صلى الله عليه وسلم
ولا أن يردوا كتابنا.
فهؤلاء الثلاثة. أما الشاك فسقط، وأما المنكر فبطل، وأما المصدق فثبت ثبوتا ليس فيه مدخل شبهة، ولا موضع لحجة، ولا معلق لمنازعة. وذلك أن المنكر لوجوب حقه، والشاك في ثبوت صدقه، لا يجد بدا من أن ينحي الصدق عن الخلق، ويخلي الدنيا من الحق، وهذا قول المكذبين بربهم، الشاكين في بعثهم، فأحسن النظر في معانيه ينكشف لك عما فيه، إن شاء الله.
ومن أبين آياته وأدل علاماته
صلى الله عليه وسلم
ووسع له فيما صدر إليه: أنه لما أخبرت النصارى واليهود أنهم لم يجدوا محمدا
صلى الله عليه وسلم
في التوراة والإنجيل موصوفا مكتوبا، تجمعت العلماء منهم، وتدارست الكتب فيما بينهم؛ فلما نظروا إلى اسمه وعاينوه بنعته، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويستفتحون بذكره على من سواهم، [كفرت] طائفة حسدا من عند أنفسها، وجحدا من بعد ما تبين لها، وآمنت طائفة، تصديقا بكتابها، وخوفا من ربها.
فلعمر الله لو [لا] أن الذين آمنوا بحقه وصدقوا بأمره، رأوا صفته عيانا، وقبلوا نعته إيقانا، لما فارقوا أديانهم، ولا جادلوا إخوانهم، حتى وقفوهم على اسمه ونسبه، وصفته وعلامته، وهم علماء بني إسرائيل، وحملة الإنجيل: من أهل الكتاب الذين احتج الله عز وجل بهم على العرب، فقال عز وجل:
أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل . ولعمر الله إنها لآية عظيمة، وحجة بليغة، ذكرها الله في كتابه، وجعلها على العرب من بيناته، فقال لهم:
قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا . يقولون : وعدنا أن يرسل رسولا، فقد أرسله، وحقق قوله، وصدق وعده. واحتج النبي
صلى الله عليه وسلم
بذلك وذكره. ولم يكن النبي
صلى الله عليه وسلم
ليجادل ويحتج في أمرهم بكذب وباطل، ولم يكن ليقول للنصارى واليهود، فيما ذكر الله من صدق الموعود: إنه في التوراة والإنجيل مكتوب موجود، إلا وهو من ذلك على حق يقين، ونور مستبين. وكيف كان يستشهد من التوراة والإنجيل بكذب، ويتقول عليهم الباطل، مع حرصه على تصديق أهل الكتاب ليستدعي به إيمان أحياء العرب. أما كان يعلم أنه إذا قال لهم: إنه موجود في مثاني كتبهم، وسمي على أفواه رسلهم، فلم يجدوا خبره يقينا، ولا وصفه مستبينا، أنهم سيدبرون عنه إدبارا، تزداد به العرب نفارا، إلا أن يقولوا خطأ من علمه، وهواء من خبره، فكيف لم يخط إذن في كتبهم حرفا غيره، ولم يخالف منها شيئا سواه، سبحان الله! لقد أكثر المؤمنون العجب من ذهاب الأساقفة بكم، فأنتم إن تنكر ما يقولون لكم، مما ليس لذي لب أن يأذن له أن يؤمن به، ولا أن ينبذ إليه سمعه،
96
يقولون: إن أنبياء الله ورسله، المبعوثين بالرحمة إلى خلقه، لطفت النبوة منهم، ووقعت الأخبار المنزلة عليهم، على صغائر الأمور، وغوامض الخطوب، فسار الناس عليها، وأشاروا لهم إلى طلبها، فهي مكررة في مثاني كتبهم، وبطون صحفهم، وأقاويل رسلهم، وتركوا من كلام الله النبأ العظيم، والأمر الكبير، والذكر الحكيم، الذي ملك آفاق الأرضين، واستفاض على جميع العالمين، لم يذكروه بخير يأتمرون به، ولا بشر ينتهون عنه؛ كلا! ما ترك الله على هذا خلقه، ولا بهذا وصف تبارك وتعالى نفسه؛ إنه لأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين.