تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

93

أحدهما حتى انهزموا، وبات الآخرون منها في عافية وغفلة حتى أصبحوا؟ فأحسن النظر في أمرك، والتثبت في دينك إن شاء الله.

واعلم أن من أعظم الآيات وأبين الدلالات، على نبوة محمد

صلى الله عليه وسلم

وحقه، وأن ليس يتقول شيئا من تلقاء نفسه، أنه قال في عنفوان أمره: «إن الله عز وجل سيظهر ديني على الدين كله» وجاء مع ذلك بأثرة عن ربه، في كتاب مخطوط وتنزيل محفوظ. فأي أمريه لك

94

أدل، أو أيهما عندك أعجب، إذ كنت بنبوته مصدقا، ولرسالته محققا: الخبر الذي أخبره، أم الفعل الذي صدقه؟ لئن نظرت بعقلك وقلت في نفسك: كيف ترقت إلى هذا نيته وارتفعت نحوه همته، أم كيف امتدت إليه بطنته وقويت عليه رويته؟ بل كيف دعته إليه نفسه، وشجعه عليه قلبه، ودخل فيه طمعه، وطاوعه فيه لسانه، وهو يذكر جنود كسرى، وجموع الروم، وملوك الترك، وملوك الشرك، وقيول اليمن، وصناديد الأمم؟ إن هذا لعجب، ولا سيما إذا لم يكن في إرث ملك قاهر، ولا كنف عز غالب، ولا معدن علم سالف.

ولئن أعدت النظر وكررت، فقلت: كيف وافق خبره أثره، وكيف صدق فعله قوله، حتى غلب الشرق والغرب! إن هذا لعجب! وأعجب من هذا أمر يدلك أمير المؤمنين عليه، ويهديك إن شاء الله إليه: لو قلت لأهل مملكتك ومن قبلك من أمتك: هل بلغكم أو تقرر قبلكم، أنه كان في الدهر الأول، والعصر الخالي، أحد مثل محمد

صلى الله عليه وسلم

بدأت الأمور به مثل حاله من الوحدة والضعف والذلة والقلة، وصدرت الحال به كفعاله في الغلبة والمنعة، والقهر والظهور، وغير ذلك؟ لقالوا لا.

ثم أنت لا تؤمن بمقالته، ولا تقر برسالته، إلفا لدينك، وضنا بملكك، وطمعا في قليل من الدنيا قد نعاه الله إليك، ورغبة في صبابة عيش غير باقية في يديك؛ فهذا عجب. وأعجب من هذا أمر يقفك أمير المؤمنين على نور حقه، ويوضح لك إن شاء الله بيان أمره: أصبحت العرب طرا والأمم جميعا في محمد

صلى الله عليه وسلم

ثلاثة لا رابع لهم ولا مخرج للحق من بينهم: رجل مصدق به من المؤمنين، ورجل مكذب به من الكافرين، ورجل شاك فيه من المنافقين.

فأما الشاك فلما قيل له: أخرجت نفسك من الحق، وأبرأتها من الصواب، وأقررت عليها بالخطأ، لقولك: لا بد أن يكون الحق في التصديق أو التكذيب، ولست على واحد منهما ، اعتزل عنها.

وأما المكذب فلما قيل له: أنت منكر والمنكر ليس بمدع، ومن لم يدع لم يلزمه بينة ولا يسأل عن حجة، اتبع صاحبه. وايم الله على ذلك، لو سئل هذا المدعي عن بينته وكشف حجته، فقيل له: من أين عرف قلبك، وأيقنت نفسك إيقانا لا يخالجه شك، ومعرفة لا يشوبها ريب ولا ينازعها شبهة، أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

ليس برسول، لما دري ما يقول؛ لأنه لا يستطيع أن يتقول على الرسل، ولا أن يتكذب على الكتب، فيقول: قد أخبر الله فيها أنه لا يبعث نبيا، ولا ينزل وحيا في كتاب مسطور، بعد التوراة والإنجيل والزبور. بل قد يجد أهل الكتاب في أقاويل رسلهم وأخابير كتبهم، أن الله تبارك وتعالى ينزل كتابا جديدا أو كلاما حديثا، بعد خراب بيت المقدس في آخر الزمان، ولم ينزل بعد ذلك كتابا إلا القرآن.

وأما الرجل المصدق بمحمد

صلى الله عليه وسلم

فقيل له: أما أنت فقد ادعيت، والمدعي يسأل عن الحجة ويقبل منه البينة، فما بينتك ومن يشهد لك؟ فقال: ألم تقولوا: إن الحق لا يخرج من بيننا، ولا بد أن يكون مع بعضنا؟ قالوا بلى! قال: فأية بينة أحق وأعدل، وأي شهود أزكى وأفضل من شهادتكم بسقوط صاحبي وثبوت الحق من بعدهما في يدي؟ قالوا: إن الأمر لكما تقول، ولكن البينة أشفى للصدور؛ فأقام بينة من الكتاب، وشهودا من الوحي، وآيات سوى ذلك عظاما، وبينات عوام، من كلام لا يقدر عليه الخلق، وصدق لا يكون إلا من قبل الرب، شبيها بما أورده أمير المؤمنين عليكم، وكتب به في صدر كتابه هذا إليكم، مما قد تشهد له قلوب الأمم، ويزكيه فعال العرب.

عصر المأمون · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٨١