تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، فيما ينبئهم به من علم الغيوب، ويبشرهم به من أمر الفتوح: «إن الله سينصركم على جمع الروم ويغلب لكم جنود فارس فيهزم لكم جنودهم ويورثكم قصورهم ويستخلفكم في الأرض من بعدهم ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا.» وعدا صدقه الكتاب، وبشارة نطق بها الوحي، فقال:

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا .

فقال أقوام وأناس ارتابوا حين تضايقت الحال، وتزلزلت الأقدام، وطارت القلوب، ودارت العيون، وأشرف الموت: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا أيعدنا هزيمة جموع الأحزاب، وفتح قصور الشأم، وغلبة جنود كسرى، وقد سالت القبائل علينا من كل جانب، وأحدق الموت بنا من كل مكان، فبقينا في مسغبة من الجوع، ومجهدة من الخوف، وضنك من الحال، مقهورين مقموعين.

90

وقالت الخاصة من المؤمنين حين عاينوا الجموع من المشركين. وذكروا ما خبرهم الله من تحزبهم عليهم ومسيرهم إليهم:

هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . فبينا أصحاب النبي

صلى الله عليه وسلم

في مضايق تلك الحال، وشدة ذلك الخصال،

91

وعموم تلك البلايا الباهظة، والأمور الفادحة، التي قد أخذ بأنفاسهم غمها، وبلغ مجهودهم كربها، رافعين إلى الله عز وجل أيديهم، يقلبون في السماء أعينهم، إذ أرسل الله على تلك الجنود الكثيفة والجموع العظيمة والأحزاب المقتدرة، ريحا من الأرض وجنودا من السماء، فقطعت الأبنية، وطيرت الأمتعة، وسفت التراب في العيون، وقذفت الرعب في القلوب، فولوا مدبرين، وخرجوا منهزمين، لا يلوي والد على ولد، ولا مولود على أحد. أمر صدق الله فيه قوله، وأنجز به وعده، وهزم الأحزاب وحده، وذكر المؤمنين نعمته فيهم، وعرفهم منته بهم، فقال:

اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . وقال عز وجل:

ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا

ما كان الله عز وجل ليقتص على المسلمين في أنفسهم ، إلا ما قد رأوه بأعينهم.

لولا أن هذا ما لا ينكره عقلك ولا يدفعه نظرك، لما جادلتك بالكتاب، ولا نازعتك بالتنزيل. وإني لأترك من آيات النبي

صلى الله عليه وسلم

وعلامات الوحي، ما هو أعظم من هذا وأبين وأجل وأوضح. ولكن ليس لي أن أحاجك من آيات القرآن، إلا بما عليه شاهد من برهان، ومخبر من بيان؛ لا يستطيع عقلك ردا له ولا قلبك جحدا له. وكيف ينبسط لسانك أو يجترئ قلبك أن يقول: إن محمدا

صلى الله عليه وسلم

أخبر أصحابه بالكذب وهم يعلمون، فاقتص عليهم من أمورهم ما لا يعرفون! لا! ما يسوغ لك ولا يجمل بك، ولا يقبل منك أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

يقوله من تلقاء نفسه؛ كيف! أما كان يخاف أن يكذبه أصحابه، وتنتقل أحواله، وتنتقض أموره! لعمر الله لو وصفت بهذا من لا يعرف بفضل ولا ينسب إلى عقل، لما كان سائغا لك ولا جائزا منك، فكيف تصف به من يرفع عن الناس قدره، ويفضل عليهم عقله! وتقر أنك لم تر في الدنيا أحدا صنع [ما صنع] وبلغ ما بلغ! فأيتما آية فيما اقتص عليك أمير المؤمنين أعظم أو بينة أعجب: أما كان يتلى على المؤمنين في الكتاب من اجتماع قبائل الأحزاب بجنود عظيمة قبل اجتماعهم بسنين كثيرة، أم ما كان

92

ينادي به القرآن من الهزيمة لهم وينطق به الوحي من الفتح عليهم، أم قول النبي

صلى الله عليه وسلم

لأصحابه: «إن الله عز وجل يؤمن خوفكم ويعز نصركم على الأمم» وهو على تلك الحال ثم نجمت الأمور على ما قال، أم عسكران مطابقان وجيشان متقابلان، باتت الريح تحوس

عصر المأمون · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٨٠