تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع ما نسبتموه من الفضل إليه، كان يختلقها كذبا من تلقاء نفسه، ثم يدعيها وحيا من عند ربه، وهو لا يدري لعل الأمور [تقع] بخلاف ما يقول، فيظهر كذبه، ويرفض تبعه. وإن تزعم

85

أن أصحابه كانوا كثيرا أقوياء، نشاطا جلداء، فكان على معرفة بقوتهم ويقين من غلبتهم؛ فقد قال الله عز وجل:

وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . ولم يكن الرسول ولا غيره ليخبر أصحابه من أمورهم بما يجهلون من أنفسهم، ثم يدعي ذلك تنزيلا من ربهم. هذا لا تقبله الآراء، ولا تقر به الحكماء، ولا يحده النظر.

أم تقولون: إنما أراد محمد

صلى الله عليه وسلم

ببشارته لهم وإخباره ما أخبرهم من هزيمة الله عدوهم، أن يشجع جبنهم ويقوي ضعفهم، فكيف إذا لم يبق

86

لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، بظهور الأنباء على خلاف قوله، وأن يحتال

87

الخبر على غير ظنه، فيقع ظفر يكذب نبوته، ويقطع حجته، ويكون له ما بعده! وكيف إذا لم ينسب الأمر إلى نفسه وينحي الخبر عن ربه، ليكون الخطر أصغر والشأن أيسر، إن جرت الأقدار بما يحذر، أو وقعت الأمور على ما يكره. ولكنه أثبته في كتاب مسطور، ورق منشور. فعل لعمر الله يدل على النبوة التي كان بها واثقا، ويهدي إلى الوحي الذي كان إليه ساكنا.

وإن عرض لنظرك، أو وقع في خلدك، أن الله عز وجل عود محمدا

صلى الله عليه وسلم

الغلبة وأجراه على المنعة، فكان يجري على عادة قد عرفها، ويسلك جادة قد خبرها؛ فلقد كانت الهزيمة في أول وقعة أوقعها الله، ثم لقد دالت الحرب فيما

88

بعد سجالا فيما بينه وبينهم: تارة عليه لهم، وأخرى له عليهم. فناصحوا الله عز وجل في نظركم، وقلبوا فيما يقول أمير المؤمنين فكركم. فلعمر الله ما كان النبي

صلى الله عليه وسلم

ليقول لملوك المشركين: إن الله هزمكم برمية من تراب وهو يعلم أنه عنده من الكاذبين. فأحضر كتابي هذا فهمك، واصبر له وإن خصمك؛ فإن هذه آية عظيمة، وحجة بليغة، وبينة عجيبة، في غلبة العرب.

وأعجب من هذه وألطف، وأكثر منها وأعظم، الآية في غلبة العجم. واستمع: أمر الله نبيه

صلى الله عليه وسلم

أن يقول للمؤمنين - وكانوا كما قال الله عز وجل قليلا مستضعفين: إن قبائل العرب ستتحزب عليكم، وإن الله سيهزمهم لكم، وحيا أنزله في الكتاب، فقال:

جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ؛ فكان أصحاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بعد ما نزل هذا القول عليه بدهور طويلة وسنين كثيرة، محبوسين محصورين في حومة الموت وعسكر الخوف وخندق القهر وذل الحصر، سوادهم الأعم وجلهم الأعظم حفاة عراة عالة، إخوان دير، وأصحاب وبر، لا قوة بهم، ولا منعة لهم، ولا أسلحة عندهم، ولا عدة معهم، قد أحدقت العرب بعسكرهم وأحاطت القبائل بخندقهم، وسالت الأحزاب تصديقا لحتم الله عليهم، تريد أن تزلزل أقدامهم وتهريق دماءهم؛ فكان المؤمنون كما وصف الله عز وجل من سوء الحال، وضيق المآل، وشدة الكظاظ؛

89

فإن الله قد وصف لهم حالهم، وأذكرهم فعلهم؛ ولم يكن النبي

صلى الله عليه وسلم

ليصف لهم عن الله ما يجهلون، ولا ليذكرهم من أمره ما لا يعرفون؛ حذارا أن تنكسر عزائمهم وتتغير بصائرهم، فتنهزم أفئدتهم وتموت نجدتهم، وتختلف كلمتهم؛ فقال الله عز وجل:

إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا

حتى قالت طائفة منهم لأهل المدينة:

يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا

وقالت طائفة أخرى: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، فأذن لنا. يقول الله تعالى:

وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا . فبينا هم على تلك الحال قد أجمعت العرب بتفريقهم في الجبال، وتقسيمهم بالقداح، وأخذهم بالأيدي، إذ قال لهم الرسول

عصر المأمون · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٧٩