تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83

وقعت فيه: قال الله عز وجل:

ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين

وقال:

ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم

وقال:

ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين . وإن شطب عن الحق شاطب، أو ذهب إلى الباطل ذاهب، لا يعرف مذاهب كلام العرب، ولا وجوه معاني الكتب، ولا تفسير آي القرآن، فقال: إنما جعلت الكواكب والمصابيح حفظا من الله عز وجل للسماء، ورجوما للشياطين من قبل أن يبعث الله محمدا

صلى الله عليه وسلم

بالدين.

فإن في آيات القرآن ما فيه بيان مما يبطل دعواه التي لا بينة عليها، ويكذب مقالته التي لا شهود لها؛ فقالت الجن - فجعل الله تبارك وتعالى قولها وحيا - وبه منها صدقا:

وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . ألا ترون أنها كانت الجن لمست السماء فلم تجدها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وقعدت الشياطين منها مقاعد للسمع فلم تجد شهبا ولا رصدا، أولا

84

يسمعون إلى ما يحقق ذلك ويسدده ويصدقه ويشهد له من قول الله تعالى:

هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون

مع قول الجن أيام حرست السماء ورميت الشياطين:

وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا . فإذا أعملتم في ذلك فكركم، وقلبتم فيه نظركم، فكنتم على برهان يقين، ونور مستبين، من استطاعة الجن للاستماع، وقدرة الشياطين عيسأل يعطى ومن يطلب يجد ومنلى الاستراق، وإمكان السماء للقعود في تلك الحال الأولى، ففكروا في الحال الأخرى حيث حرست الآيات أن تعارض باطلا بحق، ومنعت الشياطين أن تنزل بصدق، وامتنعت السماء أن يصعد إليها شيطان؛ فقال الله عز وجل:

وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون . قالت الجن:

وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

إن في قولهم الآن لأعظم نور وبيان. وأبين من ذلك لكم وأصح لمن عقل إن شاء الله منكم، إخبار الله عز وجل حين جعلت الكواكب حفظا من كل شيطان مارد، أنهم

لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب

مع إخباره في الحال الأولى أنهم يسمعون ويقعدون وينزلون ويستطيعون ويتلون على ملك سليمان، فكن لهذا من الحافظين، وفيه من المفكرين.

ومن آيات النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه لما نفرت القبائل من أعلام الشرك بجموعها، وتداعت القادة من صناديد الكفر بأتباعها حذرا على عير لها أقبلت من الشام بصنوف رغائب أموال عظام، فكانت العير والنفير طائفتين: طائفة ذات عدة كثيرة وشوكة شديدة، وطائفة ذات أموال رغيبة ورجال قليلة وفرصة ممكنة، أخرج الله عز وجل نبيه

صلى الله عليه وسلم

ووعده ومن معه من المسلمين إحداهما، فكره المؤمنون جموع المشركين، وأراد الله عز وجل أن يقطع دابر الكافرين، ويشيد بذلك أركان الدين، فلما تراءت الفئتان، وتناوشت الفرسان، وتلاقى الناس، وقبل ذلك ما قال الله عز وجل:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

قبض النبي

صلى الله عليه وسلم

قبضة [من تراب] حثاها في وجوههم، فلم يتناه دون مناخرهم وعيونهم، فانصرفوا منهزمين بلا كثير قتال من المسلمين. يا أهل الكتاب، فأيتما آية أعظم حجة وأوضح بينة وأقهر غلبة من هذه التي لو صدرت الأمور بلا تحقيق لها، لانفضت الجموع من المسلمين كفارا بها. أبشارة الله المسلمين بإمداد الملائكة المقربين، وهزيمة نفير المشركين، التي نجمت الأمور عليها، وتناهت الحال بهم إليها. أم قبضة من تراب يسير، ما ملأ المناخر من عدد كثير.

فلئن قلتم: إن هذه آيات بينات، وعلامات واضحات، ولكنا [لا] نقر لكم بها ولا نؤمن بقولكم فيها.

أفتؤمنون أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

عصر المأمون · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٧٨