صلى الله عليه وسلم
أول مقتول أو مخذول. فأحسن النظر فيما تذهب الأهواء برأيك إليه من آيات النبي
صلى الله عليه وسلم . وإن جمحت الدعوى بكم، فقائل: قد مالت به الأهواء في الباطل، فقال: إنه إلا يكن الأنبياء ذكرت النجوم في صحفها بينت الحكماء منها ذكرا في كتبها، فجعلت المنقض من الكواكب بين الأعوام، دليلا على أمر يحدث تلك الأيام، ولا ما هذا الاختلاق يلط به الجاهل للفساق.
78
ما إن وضعت الحكماء ذلك في الكتب، إلا ليالي ملئت السماء من الشهب. وبالله لو ادعيتم غير ذلك فكان حقا، وكانت القالة منكم صدقا، لما كانت الدعوى بناقضة لآية النجوم حجة، ولا مدخلة على أحد فيها شبهة؛ لأن رميا يقع فرط السنين من الكواكب، لا يبطل رجما قد ملأ السماء من كل جانب. ثم لو لم تكن النجوم آية دامغة،
79
وحجة بالغة، ودلالة قاهرة، وعلامة باهرة، وأمارة ظاهرة، وشهادة قاطعة، وبينة عادلة، وداعية قائمة، تبطل أظانين المشركين، وتردع أقاويل المنافقين، لما كان النبي
صلى الله عليه وسلم
ليعظم أمرها، ولا ليكرر في آي القرآن ذكرها، رهبة لمناهضة أحياء العرب، ومعرفة بمجادلة إخوان الكتب، الذين لو وجدوا فيما كتب به إليه أمير المؤمنين من أمر النجوم واحتج [به] عليك من ذكر الرجوم، موقعا لظن أو معلما بطعن أو مغمزا لقول، لناصبوه إذن بالمجادلة، وكاشفوه بالمنازعة، وجاهروه بالقول الذي لا يستطيع له ردا، ولا يطيق له جحدا، ولكنها آية ملأت الأقطار كثرة، وحسرت الأبصار قوة، قد وجلت العقول، وولهت القلوب، وملأت النفوس جزعا ووجعا، وفزعا شغلهم عن الأولاد، وأذهلهم عن البلاد، حتى بلغ المؤمنين وتقرر عند فقهاء المسلمين أن الله عز وجل، لما ملأ السماء حرسا، وأحدث لها رصدا، وخلق فيها شهبا، ذكرت العقلاء من العرب، وقعات الله عز وجل في الكتب، بقوم نوح وعاد وثمود، وأشباههم من مؤلفي تلك الجنود، الذين كانوا أشد بطشا، وأكثر جمعا، فانفرجت أيديهم عن كرائم أموالهم، وأرسلت أنفسهم متائن عقدهم. وإن أهل الطائف لما فعلوا ذلك بأموالهم، وأجمعوا فيه الخروج إلى فقرائهم، قام فيهم رجل منهم ذو سن وعقل فقال: يا معشر العرب، لا تهلكوا أنفسكم قبل أن تهلكوا، ولا تخرجوا من أموالكم قبل أن تخرجوا، تفقدوا مواقع نجوم السماء، وكواكب بدور الدجى، فإن كانت النجوم التي حدث الرمي بها والنجوم التي أخليتم الأموال لها، هي لبروج الشمس والقمر ومسال
80
الحيوان والشجر، فهي جوائح الاستئصال، المتلفة الأنفس والأموال؛ وإن كانت النجوم التي حدث القذف بها، إنما هي نجوم خلقت اليوم، فليست المعرفة بواقعة على مبتداها، ولا الأبصار بلاحقة منتهاها، فأمسكوا العقد
81
عليكم والأموال، فإنه أمر يحدث في إحدى هذه الليال.
فإن قلت: وكيف وقعت الأمور في هذا الرجل كالعيان، وصارت المقالة منه كوعي الآذان، أنبأك أمير المؤمنين أن أوعية الفقه من المسلمين، الذين حملوا إلينا سنن الدين، هم أدوا ذلك إلينا، وأبقوه فخرا
82 ... علينا، فما إن ينفك منهم مفتخر يقول: أبونا الذي حبس على العرب الأموال والعقد، فما إن يدفع القول في ذلك منا أحد. هيهات ما كانت العرب لتقر عند الفخار، إلا بطول هو أبين فيها من ضوء النهار. فافهم ما كتب به أمير المؤمنين في هذا إليك، ولا يكن التعلل فيها بالشبهات أوثق ما لديك؛ فإنه قل حجة إلا وإلى جنبها شبهة تخيل للعقول، وتعرض للقلوب، وتجلجل في الصدور؛ فلا يثبت مع تخليها، ولا يقيم لتعرضها بشر إلا من وزن الحق والباطل بميزان عادل، لا يميل إلى تفريط، ولا ينحط في تقصير. وقد جعل الله عز وجل العقول موازين للأمور، فزنوا ما سمعتم من حجج كلام الرب عز وجل بما تنفون به الشبهة عن الحق، ولا تميلوا اللسان، فتخسروا الميزان. وسيعلل أمير المؤمنين إن شاء الله بما جاء عن ذكر ما كتب به إليكم من أمر النجوم والرجوم والشهب في القرآن والرواية والكتب؛ فألطفوا النظر في صحة معانيه، ونحوا الهوى عن شبهة ما