73
إليه. فكن من ذلك على يقين لا يخلجه شك، ومعرفة لا يخلطها ريب، إن شاء الله.
ومن ذلك أنه إذا قال المسلمون: ما من فعال محمود، ولا مقال معروف، ولا خلق كريم، ولا أدب فاضل، إلا وقد أدب الله عز وجل به محمدا
صلى الله عليه وسلم
وأنزله في الكتاب إليه، فكان يأمر بالمكارم، ويحض على المحامد، ويعمل بالمحاسن التي ليس فيها مدخل لشبهة طاعن، ولا معلق لحجة قائل، ولا مغمز لبصيرة عائب، ولا موضع لخصومة بشر، في وعد أو عهد، أو حل أو عقد، أو مقال أو فعال، أو غير ذلك من الأمور - قالوا: أمور حمل عليها نفسه، ودعاه إليه عقله، وصبر عليها، لما أمل ورجا فيها. سبحان الله! وما أمل بها وارتجى منها؟ إن قالوا: الدنيا، فلقد أكذبهم إدباره عنها، حيث أمكنته القدرة منها، وأعثرته الحال عليها. وإن قالوا: حب الأثرة، فقد جعل نفسه للمسلمين أسوة: في سهامهم وقصاصهم، وحدودهم وحقوقهم، وغير ذلك من أمورهم. وإن قالوا: الملك، فلقد كان أشد الناس لربه تواضعا، وأعظمهم في جنبه تصاغرا، ما إن أكل متكئا قط إلا مرة، ثم قعد كهيئة الفزع لها النادم عليها، فقال: «اللهم إني عبدك ورسولك.» وإن قالوا: النعيم، فمن كان أيبس منه معاشا، وأخشن رياشا، وأغلظ مأكلا! وكيف يذوق العيش أو يجد لذيذ النعيم، من حرم السكر والخمر، ونهى عن الديباج والقز، وكان أكثر دهره صائما، وأطول ليله قائما! فإن قالوا: طلب الصوت
74
ورغب في الدين ، فذلك ما لم يطلبه أحد في حب الصوت والتماس الحمد لما صبر مغاضب قومه، وملاوم أهله، وشتائم العرب وتوعد العجم، واستهزاء قريش؛ يرمونه بالعقوق، ويقذفونه بالجنون، ويبهتونه بالسحر، وليس يدري ما يهجم به الأمر.
75
أم يقولون طلب تأثيل الملك لقومه، وأراد توطئة الولاية لأقاربه فيكف يطلب لقومه ما قد زهد فيه لنفسه! أم كيف يطلب لهم عز الملك وقد أوطأهم الذل ثم القتل. لعمر الله أن لو أراد الملك لأقاربه، وأراد طلب السلطان لذوي رحمه، لوكد لهم عقدا لا يحل، ولأبرم لهم أمرا لا ينقض، ولأثل لهم في عنفوان أمره ملكا لا يخرج من أيديهم، ولا يبرح
76
أبدا فيهم، امتثالا لصنيعكم واحتذاء على مثالكم؛ مع أقاويل جمة ونظائر كثيرة، لا يستقيم لهم معها أن يقولوا إن محمدا
صلى الله عليه وسلم
غلب العرب وقهر العجم؛ أو قال في أمر السلطان والنجوم بكذب.
فإن قلتم إن محمدا
صلى الله عليه وسلم
كان في قوة عقله وبيان فضله، على ما قلنا وقلتم وصدقنا به نحن وأنتم، ولكن هفت العلماء وزلت الحكماء وأخطأت القلوب؛ فقد يعلم أمير المؤمنين - وأنتم بذلك من العالمين - أن خطأ قلوب العلماء كخطأ دائرة الرحا، ليست العلماء بمخطئة إلا المرة والثنتين، كما لا تخطئ الرحا إلا الحبة والحبتين. ومثل الذي نسبتم إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
من الخطأ عندكم والجهل في أنفسكم، كثير لا يحصيه أحد، ولا يبلغه عدد. وأمير المؤمنين واصف بعضه لكم، ومورد ما حضر كتابه إن شاء الله لكم. وايم الله على ذلك لو قالت العلماء من المسلمين هبوا محمدا
صلى الله عليه وسلم
كان في أمر النجوم من المخطئين، فكيف أخطأت العرب وهفت الأمم في ترك مجادلته ورفض منازعته، وكيف لم تقل العلماء من إفتائه
77
والحكماء من حكمائهم، توبيخا منهم له، وتعييرا لمن آمن معه: هذا أمر واضح الأكاذيب وأبطل الأباطيل؛ فلا يثبت مع قولهم إيمان، ولا يقيم على شرحهم إنسان. فإن قلت: فلعل ذلك قد كان، ولكنه درج على طول الأزمان، فكيف إذن صدقت العرب بنبوته، ولم تكفر القبائل برسالته، وهم يسمعون كذبا لا ينفع معه صدق كان قبله، وباطلا لا يعصم معه حق حدث بعده، وإن قلتم: أدخلهم بالقهر وضبطهم بالقتل وأكرههم بالسيف، فما بال القليل من المسلمين الذين قهرهم الكثير من المشركين، ما بالهم آمنوا وصدقوا، وصبروا وصابروا، وجدوا وجاهدوا، كيف لم تنكسر عزائمهم، وتهن بصائرهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويهربوا عن توحيدهم! كلا! لو كان الأمر على ما تقول، لارفض القوم عن الرسول، ولكان