تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

يرى ماضي أسلافنا وصلح آبائنا من العجائب العظام، والآيات الكبار، ما هو جديد عندنا، بين قبلنا فلم يعف أثره، ولم يدرس خبره، ولم يتقادم عهده: من شجرة ناداها فأقبلت ثم أمرها فرجعت، ومن نحو بعير تظلم، وذئب تكلم، وأشباه لذلك كثيرة، ونظائر له عجيبة، قالوا: كان محمد

صلى الله عليه وسلم

كاهنا حاذقا، وساحرا ماهرا، يشبه بالخيال، ويأخذ بالأبصار. كيف والجموع الكثيرة تصدر عن الأطعمة اليسيرة والمياه القليلة، شباعا رواء، أيكون ذلك والسحر سواء! والأخذ بالعيون لا يجري في البطون! ولو كانو ينظرون لدينهم وينصفون من أنفسهم، لعلموا أن أمر الساحر يدور على إفك وغرور، وأن لمحمد

صلى الله عليه وسلم

آثارا قائمة، ومنافع دائمة. ثم لو كانت الكهانة والسحر يبلغان مثل هذا من الأمر، لبطلت آيات الكتب، وعلامات الرسل، ولعلت الشبهة، وسقطت الحجة، وكذبت النبوة، ولبطل ما كان [يفعله]

66

عيسى عليه السلام: من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى. فلا يكونن التقليد للرجال مبلغ علمك، ولا القبول لدعواهم بلا بينة.

ومن ذلك [أنه] إذا قالت البصراء من أمتنا والعلماء بملتنا: كان النبي

صلى الله عليه وسلم

أميا لا يحسن الكتاب وحافظا لا ينسى القرآن، وقلما يجتمع العقل السديد والحفظ السريع والنسيان البطيء، قالوا: كان أخط الناس يدا، وأذكاهم حفظا، كان يكتب بالنهار، ويدرس بالليل.

ولعمر الله أن لو كانت الحال كما يقولون والأمر كما يصفون، لما خفيت الصحف له، ولا اكتتمت الدارسة عليه، ولما كان يطيق سترها عن أهله، ولا حجابها دون قومه. وكيف تؤمن القلوب وتقر العقول أن رجلا كبيرا حمل علما كثيرا وحكما جماء: من آيات متشابهة، وسور متوالية، وهو صاحب أسفار مترامية،

67

وأخو حرب دائمة، لا يبطئ لفظه، ولا يسقط حفظه! لولا

68

أن الله عز وجل كفاه أن يحرك به لسانه، وضمن له جمعه وقرآنه، فقال عز وجل:

سنقرئك فلا تنسى

فلم يكن يسقط واوا ولا ألفا، ولا ينسى كلمة ولا حرفا. ما أبين هذا وأعجبه! وأعجب منه المنكر له.

وأما قولهم في الخط وإكثارهم في الكتاب، فإن الله عز وجل جعله أميا ليثبت حجته، ويصدق مقالته، ولئلا يشك المبطلون في أمره، ويقولون: تعلمه من غيره؛ فإنه قد قال ذلك بطائن من منافقة العرب وطوائف من كفرة العجم، فنطقت [به] الأعداء من جيرته، والحسدة من عشيرته، الذين بلغوا [ما بلغوا]

69

من مجادلة حقه، ومخاصمة ربه، كفاة لمن قرب، ووكلاء لمن بعد، فيما لم تكن العرب واقعة عليه، ولا الأمم مهتدية إليه؛ لأنهم

70

قد أحاطوا من علم خبره، وخفي أثره، بما كان عن غيرهم محتجبا، ومن سواهم مكتتما. وقالوا: لو كان محمد

صلى الله عليه وسلم

يتعلم من بشر أو يختلف إلى أحد، لما خفي عنا ولسقط

71

علينا. وحقا لو كان محمد

صلى الله عليه وسلم

يختلف إلى أحد صغيرا، أو يتعلم من بشر كبيرا، لعرف ذلك أترابه المختلفون معه ورفقاؤه والمقتدون، ولما جهل ذلك من حوله من جيرته نصرة، ولا من معه من أهل بيته دنية، الذين عليهم يورد ومن قبلهم يصدر، ولكان شائعا عند حشم معلمه وجيرة موضعه الذين كان يختلف إليهم، ويتأدب بين ظهرانيهم. ولو كانوا بذلك عالمين، أو فيه من أمره شاكين، ثم بلغهم وتقرر قبلهم أنه يقول: إن الله عز وجل أوحى إليه، فيما أنزل من الكتاب عليه:

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون

لخاصمه منهم من كفر، ولكفر به منهم من آمن. ثم يدعي ذلك قرآنا، وينتحله وحيا؟ أما كان يرهب أن ينتشر في الأقربين، ويخرج إلى الأبعدين، فتبطل حجته، وتنقض دعوته، وتسقط نبوته ، وينفر أصحابه الذين لم يصبروا

72

معه في المجاهدة أنفسهم، ويبذلوا عند الشدائد مهجهم، وينفقوا فيه على الحاجة أموالهم، مناصبين لأهل الشرق والغرب والعجم وكل الأمم، وهم قليلون مستضعفون عائلون جائعون، لا طلبا لدنيا ولا طعما في منال، إلا لما تعقبوا من قوله، وعرفوا من صدقه. ولولا أنه أخبرهم ووعدهم أن يغلب كسرى وقيصر لهم، فصدقوا بقوله، وآمنوا بوعده، حتى قويت البصائر، وصرمت العزائم، وقويت النيات، فنشطت النفوس، وشجعت القلوب، وحملت الأبدان، لما وقع لهم طمع فيه، ولا ذهب لهم وهل

عصر المأمون · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٧٥