تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ذلك أنه إذا قالت العلماء من المسلمين: كان نبينا

صلى الله عليه وسلم [عليما] بباطن أخبار النبيين، وخفي قصص القرون الأولين، قالوا: كان أحيا الناس قلبا، وأوسعهم سربا، وأسرعهم أخذا، يتتبع ذلك ويحبه، وقد رواه وعلمه. سبحان الله! أولا يعلمون أن المتعلم معروف المعلم، متفاوت الحالات، متنقل الطبقات، وأنه ما أحد يؤدب صغيرا أو يطلب العلم كبيرا، إلا وله درجات في علمه، وتارات في أخذه، ومنازل في تعلمه، تارة تلميذ، وتارة مقارب، وأخرى حاذق؛ وبكل ذلك موصوف من أهله، معروف عند قومه، ظاهر لجيرته، مستفيض في عشيرته، لا يجهل أمره، ولا يخفى ذكره، ولا ينسى عند مواضع الحاجة إليه، وتارات الاحتجاج به عليه. ولو كان ذلك معروفا فيهم، أو موجودا لديهم، أو ظاهرا عندهم، لما أمره الله عز وجل أن يحتج عليهم ويقول في ذلك لهم: لقد لبثت فيكم عمرا من قبله، لا أتلو قرآنا، ولا أدعي وحيا، أفلا تعقلون!

وايم الله! لو كانوا يعقلون أو ينظرون، لعلموا أن معلمه على غير الملة التي يعرفون، لأنه لهم من المخالفين، وعليهم من الطاعنين، يذكر فضائح قولهم، ومعايب أمرهم، ومخازي أسلافهم، وعوائر أديانهم؛ وإنه لو كان معلمه نصرانيا لدعاه إلى النصرانية، أو يهوديا لدعاه إلى اليهودية، أو مجوسيا لدعاه إلى المجوسة. ولو لم يكن له معلم لما وقع على الحقيقة هداية من تلقاء نفسه ومعرفة بقوة عقله. ولو كان معلمه الشيطان لما دعاه إلى عبادة الرحمن، ولا أمره بهجر الأوثان، وكسر الأصنام، وصلة الأرحام، والإصلاح في الأرض؛ كيف [و] كان الشيطان يصد الناس عن سبيله، ويزهدهم في دينه، وينهاهم عن طاعته، ويخرجهم من عبادته، ويدخلهم في مساخطه، ويحملهم على معاصيه! إنه إذن لرحيم بهم، ناظر لهم، شفيق عليهم، كأنه هو المبعوث إليهم؛ كلا! ما كان لنقذهم من حبائله، ويخلصهم من مصايده، ويخرجهم من ولايته وطاعته وسلطانه وخدعه وفتنته وحزبه، إلى غير ذلك من أمره. وما كان لينهي العرب أن يقتلوا أنفسهم، ويتناوحوا حرمهم، ويؤذوا ذريتهم، ولا ليقول لهم: لم تعبدون نحيت الحجارة التي جعلها الله لكم عارا، وتذرون عبادة الرب الذي خلقكم أطوارا! هيهات! لقد ذهبتم بالشيطان الرجيم إلى صراط العزيز الحكيم، فقلتم قولا تنكره العقول، وتدفعه القلوب، وتستوحش منه النفوس. ألا تسمعون إلى قول الله عز وجل:

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . فما كان الشيطان ليرضى للعرب باللعنة والبكم والعمى والصمم؛ فاتق الله ولا تكن من الجاحدين.

ومنها أنه إذا قالت الفقهاء والحكماء: أتانا محمد

صلى الله عليه وسلم

بكلام لم تسمع الآذان بمثله، ولم تقع القلوب على لغته، له رونق كحباب الماء، وزبرج يعلو ولا يعلى وعجائب لا تبلى ولا تفنى، وجدة لا تتغير، (قالوا): كان محمد

صلى الله عليه وسلم

أبلغهم قولا، وأحسنهم وصفا. فيا سبحان الله! ألا يعلمون أن لو كان القرآن كلاما للعباد لما أقرت الأعداء من

65 ... بفضله، ولا عجزت القبائل طرا من مثله، وهو يناديهم في الكتاب ويتحداهم في الوحي، بصوت رفيع، ونداء سميع، فيقول: هاتوا سورة من مثله إن كنتم صادقين، وهم فرسان الكلام، وإخوان البلاغة، وأبناء الخطب، وأهل عداوة له وبغي عليه، فتستحسر الأبصار، وتثقل الأسماع، وتنعقد الألسن، وتخرس الخطباء، وتعجز البلغاء، وتحار الشعراء، وتستسلم الكهان. ثم لقد قايست البصراء بالكلام والعلماء بالمنطق، بين ما بأيدينا من كلام النبي

صلى الله عليه وسلم

وما جاء به من كلام الوحي، فإذا بينهما بون بعيد وتفاوت شديد، ليس بشبه له ولا مدان ولا قريب. وكذلك ينبغي لكلام الرب عز وجل أن يعلو كلام الخلق، وألا يشبه قول العباد في تأليفه وأحاديثه ومعانيه وجميع ما فيه؛ لأن الله عز وجل لا يشبهه شيء، من ذلك أنه إذا قال المسلمون: كان محمد

عصر المأمون · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٧٤