تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

الذي وصفتموه بكمال العقل، وبيان الفضل، ورفق التدبير، كان يقول لرجالات العرب، وجماعات الأمم، [و] دهاة قريش: إن من آيات نبوتي، ودلالات رسالتي، وعلامات زماني، أن الشياطين ترمى بنجوم السماء، ولم تك ترمى بها فيما خلا؛ ثم يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، وهو كاذب فيما تلا، ومبطل فيما ادعى، إبطالا تدركه عيون الناظرين، وكذبا يظهر لجميع العالمين! سبحان الله! أرأيتم أن لو كان فيما قال من الكاذبين، وعلى ما ادعى من الآثمين، ثم حاول إبعاد القلوب، وإنغال الصدور، وإنفار النفوس، وتفريق الجموع، أكان يزيد على ذلك!

فيا أهل الكتاب لا يحملنكم الإلف لدينكم على اللعب بتوحيدكم! فلعمر الله لئن تداركتم أنفسكم وناصحتم نظركم لتعلمن أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

لو حاول الكذب أو رام الإفك، لما كان يترك جميع الأرض، وما يغيب عن بعض الخلق ويظهر لبعض، ويقصد للسماء المتصلة بالبصر، البارزة للنظر، التي لا تخفى على بشر، ولا تغيب عن أحد، فيدعي فيها كذبا ظاهرا، وإفكا بارزا مكشوفا، لا يبقى صغير ولا كبير ولا ذكر ولا أنثى، إلا عرف أنه إفك وزور، وكذب وغرور، ولا سيما إذا كان يلقى ذلك إلى أقوام أكثرهم أعراب، ليس بينهم وبين السماء حجاب؛ إنما يراعون الكواكب ويتفقدون الغيوم، فأبعد عهد آخرهم بها تفقده لها ونظره إليها، ساعة أو ساعتين، أو ليلة أو ليلتين. لعمر الله لو عثرت العرب من أمر النبي

صلى الله عليه وسلم

على كذب لكان أول من يواثبه به ويجادل فيه أعداؤه من قريش عامة، وحساده من جيرته خاصة، ونظراؤه من أهل بيته دنية الذين كانوا يستعيرونه

64

لكل طريق، ويقعدون له على كل سبيل، ويتساءلون من أمره عن كل ذي حادث، فيتعلقون بالحروف المشكلة، والآيات المشتبهة، جدلا وخصومة بها، وطعنا وإلحادا ومنازعة فيها، حتى لقد وصفهم الله بفعلهم، وأخبر عن ذلك من أمرهم، فقال عز وجل:

بل هم قوم خصمون

وما كان الله عز وجل ليقول ذلك ولا لأحد أن يقوله على الله في أمرهم إلا عن خصومة شديدة، ومنازعة بليغة، ومجادلة معروفة. فأحسن النظر لنفسك، ولا تهلكن شفقة على ملكك؛ فايم الله لئن قلت إن النجوم شيء كانت العرب تراه بعيونها وتعرفه بقلوبها، فما كان محمد

صلى الله عليه وسلم ، وهو عارف بها غير جاهل لها، ليقول فيها إلا حقا، وينتحل فيها إلا صدقا، لقد ثبتت فروع كلامك فيها على أسه، ووصلت آخر قولك له بأوله، ثبوتا على ما ذكرت من عقده، ولزوما لما فرطت من نظره، ولكنك لا تجد مع الإقرار بذلك بدا من التصديق برسالته، ولا مذهبا عن الإيمان بنبوته.

ولئن زعمت أنه ادعى أمر النجوم كذبا وانتحلها باطلا، عارفا كان بها أم جاهلا، لقد نسبته من الخطأ الذي لا يعمى عن بصره إلى ما يخطئ فيه بشر، فأكذبت نفسك، وتركت قولك: إنه لم يكن التأليف لقلوب العرب والجمع لشتيت القبائل، إلا برأي سديد، وعقل أصيل، ورفق بالغ، إلى أحد أمرين لا تجد لكلامك وجها تذهب إليه غيرهما، ولا محملا تضعه عليه سواهما: إما أن تقول: إنه ألف قلوب العرب، وفرق جموع الأمم بتنزيل الوحي، فتؤمن أنه نبي؛ وإما أن تقول: فعل ذلك بجهل؛ وهذا قول لا يقبل. كيف يصفه أحد من الجاحدين به المكذبين له بغباوة، أو يرمونه بجهالة، وهم يجوزون به حدود الأنبياء، ويرفعونه فوق أمور العلماء، ويتخطون به مراتب الحكماء، ومنازل الناس تكثيرا لعلمه، وتسديدا لعقله، وتثبيتا لفضله، فيما لا يقدر الخلق عليه ولا تهتدي الألسن إليه؛ حتى لقد نحلوه فعل الرب الذي لا يقدر عليه الخلق في وجوه كثيرة وأنحاء جمة: من ذلك أنه إذا قالت البقايا من أمتنا: كان محمد

صلى الله عليه وسلم

يخبرنا بالغيوب قبل ظهورها، ويصف الأمور قبل حلولها، ويتجاوز [ما يكون] في زمانه من ذلك إلى ما يكون في زماننا غيبا أطلعه الله عز وجل عليه، أضافوا ذلك علما إليه، فقالوا: كان أعلم الناس بمواقع النجوم، وأبصرهم بمنازل البروج، وأنظرهم في دقائق الحساب. كيف ولم يكن الحجاز دار نجوم ولا محل حساب ولا معدن أدب! بل كيف والمنجم يقيس ويخطئ، ويشك فيما يدعي، وهو أخو صواب لا شك فيه، وفارس صدق لا قياس معه.

عصر المأمون · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٧٣