61
للعباد عليه. فلما بعث الله محمدا
صلى الله عليه وسلم
وأنزل آيات القرآن عليه، حرست السماء بالنجوم، ورميت الشياطين بالشهب، وانقطعت الأباطيل، واضمحلت الأكاذيب، وخلص الوحي، فبطلت الكهان، وضلت السحار، وكذبت الأحلام، وتحيرت الشياطين، فكانت آية بينة، وعلامة واضحة، وحجة بالغة، تبهر قرائح العقول، وتخرق حجب الغيوب، فلا يقوم مع ضيائها ظلمة، ولا يثبت عند محكمها شبهة، ولا يقيم معها في محمد
صلى الله عليه وسلم
شك، لا من أصحابه خاصة ولا ممن جاء بعده عامة. وإنما جعلها الله عز وجل آية باقية في الغابرين، وحراسة ثابتة من الشياطين، لأن الله جل وعلا جعل نبينا
صلى الله عليه وسلم
آخر النبيين؛ فليس باعثا بعده نبيا يكذب أقاويل الكهنة، ويقطع أخابير الجنة.
وستقول، فيما يذهب إليه الظن ويقع عليه الرأي، أنت ومن عقل من أمتك وأهل ملتك: هذه آية حاسمة وحجة قاطعة بينة قائمة، مستعلية لأمرها، مستغنية بنفسها، لا تحتاج إلى ما قبلها، ولا يتكل على ما بعدها، إن أقرت العقول بما تقول ، أو قامت البينة على ما تدعي، بلى؛ ثم تقول: وأنى لك بالبينة، ولسنا نقر بكتابك، ولا نؤمن برسولك، ولا نقبل قولك فيما قد سبقنا وإياك زمانه، وحجبت الغيوب عنا وعنك علمه؛ فأرجع إليكم إن قلتم ذلك؛ فإن وجدان القضاة قبل طلب البينات.
وليس يجعل أمير المؤمنين فيما ينازعك ويحاجك فيه حاكما غير عقلك، ولا قاضيا سوى نفسك؛ ولكنه يذكرك الله الذي إليه معادك وعليه حسابك، لما جعلت التفهم لمسألته من بالك، وركبت حدودها في جوابك، عادلا بالقسط، قاضيا بالحق، قائلا بالصدق ولو على نفسك، ناظرا بالأثرة لدينك؛ فلقد وفق الله لك آية، وأهدى إليك بينة، لا تستطيع دفعها لحجبها من عقلك، ولا حجابا لنورها دون بصرك، فلا تدفع الآية بقولك، والبينة بلسانك، جحدا بقطع وصول الحجج إليك، ويد
62
تغلق أبواب الفهم عنك؛ فإن اللسان لك مداول حيث شئت، ومنقاد تصرفه فيما هويت؛ ولكن انصب نفسك للفهم وأنت شهيد، وأرد الحق وقبوله فيما تريد. فإذا تصورت البينات مجسدة في قلبك، وتبينت الحجج ممثلة لنظرك، قد أضاء صوابها لك وقرع حقها قلبك، فاجعل القول بها شعارا للسان به متصلا. وافهم المسألة فهمك الله الحق، وجنبك الجحد، ما تقول أنت ومن قبلك في رجل كان يتيما ضعيفا أجيرا ساهيا لاهيا عائلا خاملا، لم
63
يتل كتابا، ولم يتعلم خطا، ولم يك في محلة علم، ولا إرث ملك، ولا معدن أدب، ولا بيت نبوة، فتراقت الأيام به، واتصلت الحال بأمره، حتى خرج إلى العرب عامة والقبائل كافة، وحيدا طريدا شريدا، مخذولا مجهولا، مجفوا مرميا بالعقوق لآلهتهم، مقذوفا بالكذب على أصنامهم، منسوبا إلى الهجر لأديانهم، وهم مجمعون على دعوة العصبية، وحمية الجاهلية، متعادون متباغون، مختلفة أهواؤهم، متفرقة أملاؤهم، يتسافكون الدماء، ويتناوحون النساء، ويستحلون الحرم، لا تمنعهم ألفة، ولا تعصمهم دعوة، [ولا] يحجزهم بر، فألف قلوبهم، وجمع شتيتها، حتى تناصرت القلوب، وتواصلت النفوس، وترافدت الأيدي؛ ثم اجتمعت الكلمة، واتفقت الأفئدة، حتى صار غاية لملقى رحالهم، ونهاية لمنتجع أسفارهم، وصاروا له حزبا متفقين، وجندا مطيعين، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها بينهم، ولا سلطان له عليهم، ولا ملك سلف لآبائهم فيهم، ولا نباهة كانت له بين ظهرانيهم.
أتقول إنه [ما] قال ذلك كله إلا بوحي عظيم، وتنزيل كريم، وحكمة بالغة! فإن قلت ذلك فقد أقررت أن محمدا
صلى الله عليه وسلم
رسول، وتركت ما كنت تقول إنه لم يدركه ولم يبلغه إلا بعقل سديد، ونظر بعيد، ورفق لطيف، ورأي وثيق، استبى به عقول الرجال، واستمال عليه أفئدة العوام. فإن قلتم فأنا سائلكم بإلهكم الذي تعبدون، ودينكم الذي تنتحلون، لما صدقتم أنفسكم وتجنبتم الهوى عنكم: أتؤمن قلوبكم، وتقر عقولكم، ويحتمل نظركم، أن محمدا