55
التي ذكر أمير المؤمنين: من قبائل العرب، وجماهير الأمم، وصناديد الملوك، ناجم قد نصب لها وغرى بها، يجهل أحلامها، ويكفر أسلافها، ويفرق ألافها، ويلعن آباءها، ويضلل أديانها، وينادي بشهاب الحق بينها، ويجهر بكلمة الإخلاص إلى من تراخى عنها، حتى حميت العرب، وأنفت العجم، وغضبت الملوك، وهو على حال ندائه بالحق ودعائه إليه، وحيدا فريدا، لا يحفل بهم غضبا، ولا يرهب عنتا، يقول الله عز وجل:
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
أكنت تقول فيما تجري الأقاويل به وتقع الآراء عليه، إلا أنه أحد رجلين: إما كاذب يجهل ما يفعل ويعمى عما يقول ، وقد دعا الحتف إلى نفسه، وأذن الله لقومه في قتله، فليست الأيام بمادة ولا الحال بثابتة له إلا ريثما تستلحمه
56
أسبابهم، وينهض به حلماؤهم، غضبا لربهم، وأنفة لدينهم، وحمية لأصنامهم، وحسدا من عند أنفسهم. وإما صادق بصير بموضع قدمه ومرمى نبله، قد تكفل الله عز وجل بحفظه، وصحبه بعزه، وجعله في حرزه، وعصمه من الخلق، فليست الوحشة بواصلة مع صحبة الله إليه، ولا الهيبة بداخلة مع عصمة الله عليه، ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه. ثم إن
57
آيتكم يا أهل الكتاب لو قيل لكم: إن الرجل الذي يدعي العصمة وينتحل المنعة، قد نجمت الأمور به على ما قال، وسلمت الحال له فيما ادعى، حتى نصب لعمارات
58
العرب، وجماعات الأمم، يقاتل بمن طاوعه من خالفه، وبمن تابعه من عانده، جادا مشمرا، محتسبا واثقا بموعود الله ونصره، لا تأخذه لومة لائم في ربه، ولا يوجد لديه غميزة
59
في دينه، ولا يلفته خذلان خاذل عن حقه، حتى أعز الله دينه، وأظهر تمكينه، وانقادت الأهواء له، واجتمعت الفرق عليه، ألم يكن ذلك حقه يقينا عندكم، ودعوته ثبوتا فيكم، حتى تقول الجماعة من حلمائكم وأهل الحنكة من ذوي آرائكم: ما كان الرجل، إذا كان وحيدا فريدا قليلا ضعيفا ذليلا معروفا بالعقل منسوبا إلى الفضل، ليجترئ أن يقول: إن الله عز وجل أوحى إليه فيما أنزل من الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعا ويمنعه من الأمم طرا، حتى يبلغ رسالات ربه، ويظهره على الدين كله، ويدخل الناس أفواجا في دينه، إلا وهو على ثقة من أمره، ويقين من حاله.
فسبحان الله! يا أهل الكتاب ما أبين حق النبي
صلى الله عليه وسلم
لمن طلبه، وأسهله لمن قصده له. واستعملوا في طلبه ألبابكم، وارفعوا
60 ... أبصاركم، تنظروا بعون الله إليه، وتقفوا إن شاء الله عليه؛ فإن علامات نبوته وآيات رسالته، ظاهرة لا تخفى على من طلبها، جمة لا يحصى عددها، منها خواص تعرفها العرب، وعوام لا تدفعها الأمم؛ فأما الخواص المعروفة لدينا، المعلومة عندنا، التي أخذتها الأبناء عن الآباء، وقبلها الأتباع عن الأسلاف، فأمور قد كثرت البينات فيها، وتداولت الشهادات عليها، وثبتت الحجج بها، وتراخت الأيام ببعضها، حتى رأيناها عيانا، وقبلناه إيقانا؛ فهي أظهر فينا من الشمس، وأبين لدينا من النهار؛ ولكن غيبت الأزمان عنكم أمرها، ولم ينقل الآباء إليكم علمها، وما لا يدرك إلا بالسمع موضوع الحجة عن العقل، فليس أمر المؤمنين بمجاج لكم، ولا قاصد إليكم من قبلها. وأما الآيات العوام والدلالات الظاهرة في آفاق الأرضين، القاطعة لحجج المبطلين، التي لا تنكر عقول الأمم وجوب حقها، ولا تدفع ألباب الأعداء صحة أمرها، فسيولجها أمير المؤمنين مسالك أسماعكم، ويعيد بها حجة الله في أعناقكم، من وجوه جمة وأبواب كثيرة، إن شاء الله: منها أنه لم تزل الشياطين، فيما خلا من فترات الرسل وندرات النذر، تصعد إلى سماء الدنيا، وتنصت للملأ الأعلى فتسترق السمع وتحتفظ العلم، وتنزل به إلى كل أفاك أثيم، يبنون أكاذيبهم على واضح صدقه، وينفقون أباطيلهم بحسب حقه، خلطا للباطل فيه، وثبوتها