بيد أن الكتابة لم تبلغ كمالها الممكن - في التنسيق وإبلاغ الحاجة، وفي اتساع ما تناولته من شئون الدولة والناس - إلا بعد أن نقلت الدواوين التي كانت بالفارسية في فارس، والرومية في الشام، والقبطية في مصر إلى العربية في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وإلا بعد أن ظهر في العربية كتاب صقلهم الاطلاع على آداب الفرس وغير الفرس، من الأمم التي كانت لها قدم راسخة في الحضارة؛ كابن المقفع وعبد الحميد الكاتب.
على أنا لسنا نرمي بذلك إلى أن لا بلاغة في ذلك العصر بغير اطلاع على بلاغة الأمم الأخرى؛ لأن في بلاغة القرآن وأحاديث الرسول
صلى الله عليه وسلم
وخطب الخلفاء وتراث الجاهلية الكنز الذي لا ينضب، والمعين الذي ينهل من أفاويقه كتاب العصر غير منازع ولا مدافع، وإنا لنعثر في مظان الأدب العربي على أمثلة ناضجة لما نقول؛ فهذا كلام أم الخير
2
والزرقاء وعكرشة بنت الأطرش ، فإنه لمما يتخذ خير مثال للنثر في العصر الأموي.
وسنثبت لك في باب المنثور من الكتاب الأول في المجلد الثاني رسالتين ممتعتين نعتبرهما بحق من خير المنثور العربي؛ إحداهما تلك الرسالة المنسوبة لأبي بكر الصديق، والتي قيل إنه كتبها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهي تمثل عصرها بلاغة وفخامة، والثانية رسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب، قيل إنه كتبها عن مروان بن محمد لعبد الله بن مروان حينما أرسله لقتال الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، فهي فريدة في نوعها رشاقة أسلوب وسمو معنى. (6) حالة الشعر في العصر الأموي وتحوله
لكي نلمس بأيدنيا صحة قول أولئك الذين يذهبون إلى أن العصر الأموي كان عصر تجديد في الآداب العربية، وأنه كان عصر تجديد قوي ظاهر في اللفظ والمعنى، يلزمنا أن نفهم فهما أوليا سذاجة الشعر الجاهلي وصادق تعبيره عن الحياة الجاهلية.
نعلم أن العصر الجاهلي للعرب كان في مجموعه - ككل العصور الأولية للعقل البشري - ساذجا فطريا في علومه ونظمه وعاداته، ولكنه لم يكن كذلك في آدابه، فإن عرب الجاهلية بدءوا في شعرهم وآدابهم، في ذلك الطور الأول، بما كان عليه غيرهم من الأمم السامية وكثير من الأمم الأخرى في أطوارها الأولى وعصورها الجاهلية، مع ملازمتهم للفطرة، ونفورهم من التكلف، وبعدهم عن الصنعة الكلامية.
إن العرب في جاهليتهم نظموا الشعر في كل حاجاتهم، وأبدعوا فيه بسليقتهم، ومع أنهم كانوا في دور فوضاهم، فقد نضجت لهم أفانين كانت آية في بلاغة اللسان العربي، وكان الأدب الجاهلي فطريا ممثلا خلق العصر، مبينا استقلال الفكرة البدوية، وكان في ضروبه كافة من وصف ومدح ورثاء وهجاء ناطقا بما يجيش في نفس قائله حقا، كما كان في بلاغة تركيبه وبعده عن الأوضاع المدرسية من تكلف للبيان والبديع آية في بلاغة الفطرة، وشاهدا في مجموعه على مبلغ أثر بلاغة الفطرة المرسلة عن شعور صاحبها في النفوس والأفهام.
على أنه يجدر بنا أن نقول: إن المعلقات وغيرها من آثار العقل العربي الجاهلي قد لا تتأثر بها نفوس العصر الحاضر؛ لتغير اللغات والأفكار والمعتقدات، ولتشعب المدنيات والأدبيات، ولأن آذاننا وأذواقنا قد تحكم بنبو ألفاظها وخشونتها، فكما أن الأدب الإنكليزي قد لا يستعمل اليوم ألفاظا كان يستعملها شيوخ العقل الإنكليزي «كباكون» و«شكسبير» و«ملتون» من خيرة نتاج عصر إليزابث الذهبي، وقبلهما «شوسر» وشعراء المغاني، ويعتبرها البعض نابية جافية، وأنها بمثابة ألفاظ مدرسية تاريخية، كما هي الحال في نظر أدب العصر الإنكليزي أو الفرنسي أو الألماني في تراجمهم عن الكتاب المقدس، وإلى شعرائهم وأدبائهم المتقدمين، كذلك هو الحال في أحكامنا عن نتاج العصر العربي الجاهلي. •••
إن المدنية ما ونت ساعة ولا يوما، ولكن عاطفة الإنسان تكاد تكون هي بنفسها في كل العصور؛ يحرك لواعجه الجمال، ويفطر قلبه ريب الزمان، ويبث شكاته إلى أترابه وإخوانه، ويحاول أن يتبوأ حبات الأفئدة بسحر بيانه، فهو يفخر ويشدو، وهو يمدح ويهجو، وهو يخطب وينظر ويضرب الأمثال، وهو صادق في ترجمة مشاعره، وتبيان مقاصده ما كان في دور سذاجته بعيدا عن ضروب المدنيات التي كثيرا ما تلازمها تقاليد خاصة، وتصحبها آداب تعورف عليها تقلل صراحته، وتفل من حدة شباته، وتجعل له سلطانا على ميوله وأهوائه، واللسان علنة مصفاح إن تركت له عنانه، كتمة مضلل إن جعلت العقل والتقليد ميزانه.