من هنا نستطيع أن نفسر سذاجة العربي الجاهلي وجنوحه إلى صوت الطبيعة، على العكس من حال زميله الإسلامي الذي قد صقلته بلاغة القرآن وتعاليمه، وشذبته سنة الرسول وصحابته، وأفسح المجال لخياله ما وقف عليه أثناء الفتوح العربية من تراث المدنيات الفارسية في العراق وفارس، والرومانية في الشام ومصر، وناهيك بآثار الفرس والرومان إلى ما خلف له آباؤه العرب من حكمة وبيان. •••
كان شعراء الجاهلية يسددون قولهم نحو كبد الحقيقة فلا يخطئونها، ويقولون الشعر عن شعور حي، ولا يتخطون إلى ما وراء مشهودهم ومعقولهم، فجاء شعرهم مثالا صادقا لبداوتهم وحضارتهم، حتى لو اندثرت جميع أخبارهم وآثارهم ولم يبق إلا شيء من شعرهم لتيسر للباحث أن يستخرج منه وصفا كاملا لجميع أحوالهم، كما استخرج الباحثون كثيرا من غوامض جاهلية اليونان من شعر «هوميرس».
وإليك مثالا قول المهلهل بعد وقعة السلان؛ إذ حضرها مع أخيه كليب وفر ابن عنق الحية من وجههما:
لو كان ناه لابن حية زاجرا
لنهاه ذا عن وقعة السلان
يوم لنا كانت رياسة أهله
دون القبائل من بني عدنان
غضبت معد غثها وسمينها
فيه ممالأة على غسان
فأزالهم عنا كليب بطعنة
في عمر بابل من بني قحطان
ولقد مضى عنها ابن حية مدبرا
تحت العجاجة والحتوف دواني
لما رآنا بالكلاب كأننا
أسد ملاوثة على خفان
برك التي سحبت عليه ذيولها
تحت العجاج بذلة وهوان
ونجا بمهجته وأسلم قومه
متسربلين رواعف المران
يمشون في حلق الحديد كأنهم
جرب الجمال طلين بالقطران
نعم الفوارس لا فوارس مذحج
يوم الهياج ولا بنو همدان
هزموا العداة بكل أسمر مارن
ومهند مثل الغدير يماني
وبعد، فإنا بعد ما قدمنا من موجز كلامنا عن تصوير حالة الشعر في الجاهلية توطئة لبحثنا عن حالته في العصر الأموي، لا نرى مندوحة من الإشارة هنا إلى أنا سنعنى عناية خاصة بفرعي الغزل والشعر السياسي؛ لأنهما بحالتيهما الأموية يكادان يكونان وليدي العصر ونتاجه.
وليس معنى ذلك أنا ننكر تلك المعاني الجديدة التي دخلت على الوصف والمدح والرثاء والهجاء، ولكنا نلاحظ أن الفرق لا يعدو ملتزمات المدنية، مع رقة اكتسبتها العصور الإسلامية القريبة العهد من نزول القرآن، واشتغال الناس بتلاوته، وإقبالهم على دراسته، حتى انطبعوا على بلاغته وبيانه.
على أنه من المفيد أن نشير إلى شيء جديد أصاب فن المديح في العصر الأموي؛ لأنه خاص بهذا العصر دون سواه.
قال ابن قتيبة في كتابه القيم «الشعر والشعراء»: أتى بعض الرجاز نصر بن سيار، والي خراسان لبني أمية، فمدحه بقصيدة تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: «والله ما بقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيف إلا شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب»، فأتاه فأنشد:
هل تعرف الدار لأم الغمر
دع ذا وحبر مدحة في نصر
فقال نصر: لا ذاك ولا هذا، ولكن بين الأمرين. (7) الغزل
كان غزل الجاهلية من عفو الخاطر وفيض البديهة ناطقا بصفاء قريحتهم، وكامل حريتهم، وتوقد أذهانهم، وسائر طباعهم، وكان بريئا من الصنعة والكلفة.
ومع أني ممن يذهبون إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعالج الفنون الشعرية كافة غير مقصور على النسيب بالذات، بيد أني ممن يقول: إن المعاني الغزلية وألفاظها تكاد تكون معادة فيما بعد العصر الجاهلي بتوسع تقتضيه المدنية، وطلاوة اكتسبتها الألفاظ من بلاغة القرآن، وعذوبة أنتجتها ثروة الأذهان من أفاويق العرفان.
ولقد صدق زهير إذ يقول:
ما أرانا نقول إلا معارا
أو معادا من لفظنا مكرورا
أجل، لقد كان الغزل الأموي غنيا بما هو أكثر من ذكر الأطلال والديار، إذ أنا نجد فيه لواعج الحب ولفحاته، وشكايات الصب وأناته، وزفرات العاشق وعبراته.
ألسنا نلمس التوجع والأسى في قول ابن الدمينة الخثعمي:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟