وقد وجدت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، بسبب اختلاف المسلمين وتعدد الفرق واختلاف الأحزاب، مجالا واسعا للرقي والسبق، لاعتماد كل حزب عليها في نشر نحلته، وتأييد دعوته.
يميز الخطابة في هذا العصر ما يميز الآداب عامة فيه: من فخامة الألفاظ، ومتانة التركيب، والتباعد عن حوشي الكلام، ويميزها أيضا أنها اقتبست من القرآن كثيرا، ونهجت نهجه في الإرشاد والإقناع، وأنها تبدأ بحمد الله والصلاة على رسوله، حتى قيل لخطبة زياد المشهورة التي خطبها في العراق «الخطبة البتراء»؛ إذ لم يحمد الله ولم يصل على نبيه فيها. وقد كان هذا العصر أحفل العصور بالخطباء، فقد كان جل الخلفاء والقواد وولاة الأمصار وزعماء الأحزاب المختلفة خطباء مصاقع، وفيما يحفظه تاريخ الآداب من آثار الخلفاء ولا سيما الإمام علي، ومن خطب الحجاج بن يوسف، وزياد بن أبيه، وطارق بن زياد، مصداق ما نقول.
ولننقل هنا خطبة الحجاج في أهل العراق بعد دير الجماجم؛ فهي خير مثال لنضج الخطابة في العصر الأموي، قال:
يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع والأطراف والشغاف، ثم مضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باش وفرخ، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وقد اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤمرا تستشيرونه؛ فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو يردكم إيمان؟! ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا وتهزمون سراعا؟ ويوم الزاوية وما يوم الزاوية؟! بها كان فشلكم وتنازعكم، وبراءة الله منكم ونكوص وليه عنكم، إذا وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح وقصمتكم الرماح. يوم دير الجماجم وما دير الجماجم؟! بها كانت المعارك والملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله.
1
يأهل العراق، أهل الكفرات والغدرات، والثورة بعد الثورات، إن أبعثكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون خشية ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث، واستغواكم غاو، واستنصركم ظالم، واستعضدكم خالع إلا وثقتموه وآويتموه ونصرتموه ورضيتموه! هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو نعق ناعق أو زفر زافر إلا كنتم أشياعه وأنصاره! ألم تنهكم المواعظ! ألم تزجركم الوقائع؟!
ثم نظر إلى أهل الشام فقال:
يا أهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الذاب عن فراخه، ينفي عنها المدر ويبعد عنها الحجر، ويكنها من المطر. يأهل الشام، أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والغطاء.
وقد يكون من المفيد حقا أن ترجع إلى «صبح الأعشى» وغيره من المظان الأدبية لتقف بنفسك على خطب القوم الممتعة أسلوبا، الفخمة لفظا، الغنية معنى في ذلك العصر الزاهر. (5) الكتابة
الكتابة - سواء أكانت في تدوين العلوم والفنون وضبط الشئون العامة أم في إنشاء الرسائل ومعالجة الكلام المنثور - لا ترقى بل لا تكون إلا في الأمم التي أخذت بقسط من التحضر، فكانت لها حكومة منظمة، ودواوين معددة، وصناعة منوعة، وزراعة نامية، وتجارة رائجة؛ لذلك لم يكن لأحد من الشعوب العربية في الجاهلية حظ من الكتابة إلا بمقدار ما له من حظ من الحضارة.
وقد كانت الكتابة معروفة عند التبابعة جنوبا، والمناذرة والغساسنة في الشمال، حين كان لأولئك وهؤلاء من الحضارة نصيب، أما البدو من سكان أواسط الجزيرة فلم يعرفوا الكتابة إلا حين عرفوا الخط في أواخر العصر الجاهلي، وقد كان حظ الكتابة فيهم حظها في أمة بادية قليلة الشئون؛ لذلك لم ينلها في الرقي ما نال أخويها الشعر والخطابة، فلما جاء الإسلام وصار للعرب حكومة منظمة، وفتح الله عليهم أقطار الأرض، اشتدت حاجتهم إلى الكتابة، فأخذت سبيلها إلى الرقي والكمال، حين صارت حاجة من حاجات الدولة.