تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

من كرائم رجالات العرب، وأعلام بيوتات الشرف؛ له أدب فاضل، وحلم راجح، ودين صحيح. والآخر له دين غير مغموز،

46

وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام وتصريف الرأي وإنحاء العرب ووضع الكتب، عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب؛ يضع آدابا نافعة وآثارا باقية، من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك؛ فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك؛ فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي، ويرعى في خصرة جناني؛ ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان، وخيار الأمصار، أقواما يكونون جيرانك وسمارك، وأهل مشاورتك فيما تورد، وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة الله، أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلا يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديا ينطق بالخير لسانك. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومائة ببغداد. (2) رسالة أبي الربيع محمد بن الليث التي كتبها للرشيد إلى قسطنطين ملك الروم

من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، فإني أحمد الله الذي لا شريك معه، ولا ولد له، ولا إله غيره، الذي تعالى عن شبه المحدودين بعظمته، واحتجب دون المخلوقين بعزته، فليست الأبصار بمدركة له، ولا الأوهام بواقعة عليه، انفرادا عن الأشياء أن يشبهها، وتعاليا أن يشبهه شيء منها، وهو الواحد القهار، الذي ارتفع عن مبالغ صفات القائلين، ومذاهب لغات العالمين، وفكر الملائكة المقربين، فليس كمثله شيء، وله كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

أما بعد، فإن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه، قال لنبيه

صلى الله عليه وسلم

فيما أنزل من آيات الوحي إليه:

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . فرأى أمير المؤمنين من أحسن قوله وأفضل فعله، أن يكون إلى سبيل ربه داعيا، وبرسوله

صلى الله عليه وسلم

متأسيا، ولقوله:

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين

موافقا. وكنت من كتب الله المنزلة، وآياته المفسرة، وخلقه الكثير بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته؛ وانتفاعك بمجادلته انتفاع بشر كثير وخلق عظيم قد بؤت بأوزارهم مع وزرك، واحتملت من آثامهم إلى إثمك، فأحب أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؛ فإن توليتم عن ذلك رغبة عنه، أو تركتموه زهادة فيه، فاشهدوا بأنا مسلمون. واستمعوا ما أمير المؤمنين واصف لكم، ومحتج به إن شاء الله عليكم، بقلوب شاهدة وآذان واعية، ثم اتبعوا أحسن ما تستمعون. ولا قوة إلا بالله.

فإن الله عز وجل يقول فيما أنزل من كتابه واقتص على عباده:

فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب . إن الله تبارك اسمه وتعالى جده، وصف فيما أنزل من آياته، وشرح من بيناته، الأمم الماضية، والقرون الخالية، والملل المتفرقة، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى لا برهان لهم بها، ولا حجة لهم فيها، فقال:

يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا * لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون .

قالت العرب الذين يعبدون الملائكة وأهل الكتاب الذين يقولون ثالث ثلاثة بأيتما آية يا محمد تزعم أن الله إله واحد؛ فأنزل الله عز وجل في ذلك آية تشهد لها العقول، وتؤمن بها القلوب، وتعرفها الألباب، فلا تستطيع لها ردا، ولا تطيق لها جحدا، ذكر فيها اتصال خلقه واتفاق صنعه، ليوقن الجاهلون من العرب والضالون من أهل الكتاب، أن إله السماء والأرض، وما بينهما من الهواء والخلق، واحد لا شريك له، خالق لا شيء معه، فقال:

عصر المأمون · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٦٨