تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس . فتفكر في تفسير هذه الآية من كلام الرب عز وجل، وما أوضح فيها من بيان الخلق، فإنه ما من مفكر ينظر فيما ذكر الله فيها مما بين السماء والأرض، إلا رأى من اتصال بعض ذلك ببعض، مثل ما رأى في تدبيره نفسه، وعرف من اتصال خلقه، فيما بين ذوائب شئون رأسه إلى أطراف أنامل قدمه. وفي ذلك أوضح آية وأبين دلالة، على أن الذي خلقه وصنعه إله واحد لا إله معه، ولا من شيء ابتدعه، ولا على مثال صنعه. قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم، أن الله عز وجل خلق للأنام الأرض، وجعلها موصولة بالخلق، فليس يدحوها إلا لهم، ولا يديمها إلا معهم، وجعل ذلك الخلق متصلا بالنبت، لا يقوم إلا به، ولا يصلح إلا عليه. وجعل ذلك النبت الذي جعله متاعا لكم ومعاشا لأنعامكم، متصلا بالماء الذي ينزل من السماء بقدر معلوم، لمعاش مقسوم؛ فليس ينجم النبت إلا به ولا يحيا إلا عنه. وجعل السحاب الذي يبسطه كيف يشاء متصلا بالريح المسخرة في جو السماء تثيره من حيث لا تعلمون، وتسوقه وأنتم تنظرون؛ كما قال عز وجل:

والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور

ووصل الرياح التي يصرفها في جو السماء بما يؤثر في خلق الهواء من الأزمنة التي لا تثبت الهواجر إلا بثباتها، ولا يزول عنه برد إلا بزوالها؛ ولولا ذلك لظل راكدا بالحر المميت، أو ماثلا

47

بالبرد القاتل. ووصل الأزمنة التي جعلها متصرفة متلونة بمسير الشمس والقمر الدائبين لكم المختلفين بالليل والنهار عليكم. وجعل مسيرهما الذي لا تعرفون عدد السنين إلا به، ولا مواقع الحساب إلا من قبله، متصلا بدوران الفلك الذي فيه يسبحان، وبه يأفلان؛ ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء. فهذا خلق الله عز وجل، ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت؛ كما قال سبحانه وتعالى:

ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت . ولو كان لله شريك أو معه ظهير عليه، يمسك منه ما يرسل، ويرسل منه ما يمسك، أو يؤخر شيئا من ذلك عن وقت زمانه، أو يعجله قبل مجيء إبانه، لتفاوت الخلق، ولتباين الصنع، ولفسدت السموات والأرض، وذهب كل إله بما خلق، كما قال عز وجل - وكذب المبطلين:

بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون * ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون .

والعجب: كيف يصف مخلوق ربه، أو يجعل معه إلها غيره، وهو يرى فيما ذكر الله من هذه الأشياء صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليفا متفقا، وتدبيرا متصلا، من السماء والأرض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، متجليا بين يديه، ماثلا نصب عينيه، يناديه إلى صانعه، ويدله على خالقه، ويشهد له على وحدانيته، ويهديه إلى ربوبيته،

فتعالى الله عما يشركون * أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون . حقا ما كرر هؤلاء الجاهلون بربهم الضالون عن أنفسهم، في خلق الله النظر، ولا رجعوا كما قال الله عز وجل الفكر. ولو أعملوا فكرهم وأجهدوا نظرهم، فيما تسمع آذانهم وترى أبصارهم، من حوادث حالات الخلق، وعجائب طبقات الصنع، لوجدوا في أقرب ما يرون بأعينهم: من التأليف لتركيب خلقهم، والأثر في التدبير بصنعهم، ما يدلهم على توحيد ربهم، ويقف بهم على انفراده بخلقهم. فإنهم يرون في أنفسهم بأعينهم ويجدون بقلوبهم، أنها مخلوقة صنعة بعد صنعة، ومحولة طبقة عن طبقة، ومنقولة حالا إلى حال: سلالة من طين، ثم نطفة من ماء مهين، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، كساه الله عز وجل لحما، ونفخ فيه روحا، فإذا هو خلق آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، الذي خلق في قرار مكين، من ماء قليل ضعيف ذليل، خلقا صوره بتخطيط، وقدره بتركيب، وألفه بأجزاء متفقة، وأعضاء متصلة، من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك: من مفاصل ما يعلن أو عجائب ما يبطن، ليعلم الجاهلون ويوقن الجاحدون، أن الذي صنع ذلك وخلقه ودبره وقدره وهيأ ظاهره وباطنه إله واحد لا شريك معه. فلا يذهبن ذكر هذا صفحا عنكم، ولا تسقط حكمته جهلا عليكم؛ وفكروا في آيات الرسل وبينات النذر، فإن في ذلك فكرا للمبصرين، وبصرا للمعتبرين، وذكرى للعابدين، والحمد لله رب العالمين.

عصر المأمون · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٦٩