تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان؛ وما قضى الله له من الشخوص إليها، والمقام فيها، خير للمسلمين مغبة، وله بإذن الله عاقبة من المقام، بحيث يغمر في لجج بحورنا، ومدافع سيولنا، ومجامع أمواجنا؛ فيتصاغر عظيم فضله، ويتذأب،

39

مشرق نوره، وتقلل كثير ما هو كائن منه؛ فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس.

قال محمد بن الليث: أيها المهدي: إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما، قد تثنت نحوه أعناقها، ومدت سمته أبصارها؛ وقد كان لقرب داره منك، ومحل جواره لك، عطل الحال غفل الأمر واسع العذر؛ فأما إذا انفرد بنفسه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره، فإن من شأن العامة أن تتفقد

40

مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبيره وسياسته ووزرائه وأصحابه؛ ثم يكون ما سيق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك

41

الأمور بهم وألزمها لقلوبهم، وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم؛ فلا يفتأ المهدي - وفقه الله - ناظرا له فيما يقوي عمد مملكته، ويسدد أركان ولايته، ويستجمع رضا أمته بأمر هو أزين لحاله وأظهر لجماله، وأفضل مغبة لأمره؛ وأجل موقعا في قلوب رعيته، وأحمد حالا في نفوس أهل ملته؛ ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له، وأبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله، ومعدلة تنتشر عن أثره ومحبة للخير وأهله، وأن يختار المهدي - وفقه الله - من خيار أهل كل بلدة، وفقهاء أهل كل مصر؛ أقواما تسكن إليهم العامة إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا؛ ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف، كما قد كان فتح له وسهل عليه.

قال المهدي: صدقت ونصحت، ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني، إنك قد أصبحت لسمت

42

وجوه العامة نصبا، ولمثنى أعطاف

43

الرعية غاية؛ فحسنتك شاملة، وإساءتك نائية، وأمرك ظاهر؛ فعليك بتقوى الله وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما؛ فإن الله عز وجل كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه، وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمان فترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه، يجدد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيد أركان الدين بنصرتهم؛ ويتخذ لأولياء دينه أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا؛ يسدون الخلل ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض الفساد؛ وإن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا، وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونستصرف نزول العظائم بمناصحتهم؛ وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم؛ فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها،

44

وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها؛ قد مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات؛ أخمدت نيران الفتن، وقسمت دواعي البدع، وأذلت رقاب الجبارين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظل دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا؛ التي أعز الله بها ذلتهم ورفع بها ضعتهم؛ وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرض، وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر؛ فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك؛ ثم اعرف له حق طاعتهم، ووسيلة دالتهم، وماتة سابقتهم، وحرمة مناصحتهم؛ بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم.

أي بني، ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها، واستجلب مودتها بالإنصاف لها؛ وتحسن بذلك لربك، وتوثق به في عين رعيتك، واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين عملك، ونصفة منك لرعيتك، وذلك أن تأمر قاضي كل بلد، وخيار أهل كل مصر، أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم؛ فإن أحسن حمدت، وإن أساء عذرت. هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج، فلا يسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق، وسبق إلى الأسماع، من انعقاد ألسنة المرجفين، وكبت قلوب الحاسدين، وإطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور؛ ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلا، وبعرا حبلك متعلقا رجلان: أحدهما كريمة

عصر المأمون · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٦٧