19
صفح، وإن عظم الذنب وجل الخطب، فالرأي للمهدي - وفقه الله تعالى - أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم، برا بهم وتوسعا لهم؛ فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه الذين بعزتهم يصول، وبحجتهم يقول، وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، وتعرضوا له من معاصيه، وانطووا فيه عن إجابته، ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، أو نقل من حاله لهم، أو تغير من نعمته بهم، كمثل رجلين أخوين متناصرين متآزرين، أصاب أحدهما خبل عارض، ولهو حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه، فلم يزدد أخوه إلا رقة له ولطفا به، واحتيالا لمداواة مرضه ومراجعة حاله؛ عطفا عليه وبرا به ومرحمة له.
فقال المهدي: أما علي فقد كوى سمت اللبان، وفض القلوب في أهل خراسان، ولكل نبأ مستقر، ثم قال: ما ترى يا أبا محمد؟ يعني موسى ابنه.
فقال موسى: أيها المهدي، لا تسكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم؛ الحال من القوم ينادي بمضمرة شر، وخفية حقد؛ قد جعلوا المعاذير عليها سترا، واتخذوا العلل من دونها حجابا؛ رجاء أن يدفعوا الأيام بالتأخير، والأمور بالتطويل؛ فيكسروا حيل المهدي فيهم، ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادتهم، وتستفحل حربهم، وتستمر الأمور بهم؛ والمهدي من قولهم في حال غرة ولباس أمنة، قد فتر لها وأنس بها وسكن إليها؛ ولولا ما اجتمعت به قلوبهم، وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع عن داعية ضلال، أو شيطان فساد، لرهبوا عواقب أخبار الولاة، وغب سكون الأمور؛ فليشدد المهدي - وفقه الله - أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم، وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم، وقوة على معصيتهم، وداعية إلى عودتهم؛ وسببا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود، الذين إن أقرهم وتلك العادة، وأجراهم على ذلك الأرب، ولم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر؛ لا يصلح عليه دين، ولا تستقيم به دنيا؛ وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، واستمرار الدربة، لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة، والمئونة الشديدة، والرأي للمهدي - وفقه الله - ألا يقيل عثرتهم، ولا يقبل معذرتهم، حتى تطأهم الجيوش، وتأخذهم السيوف، ويستحر
20
بهم القتل، ويحدق بهم الموت، ويحيط بهم البلاء، ويطبق عليهم الذل؛ فإن فعل المهدي بهم ذلك، كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم، وهزيمة لكل بادرة شر منهم، واحتمال المهدي مئونة غزوتهم هذه يضع عنه غزوات كثيرة، ونفقات عظيمة.
قال المهدي: قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل.
فقال العباس بن محمد: أيها المهدي: أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا جنبات الصواب، وتعدوا أمورا قصر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها.
وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق، والجنود ألا تفرق، وبألا يعطي القوم ما طلبوا، ولا يبذل لهم ما سألوا، وجاء بأمر بين ذلك استصغارا لأمرهم واستهانة بحربهم؛ وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها.
وأما علي فأشار باللين وإفراط الرفق، وإذا جرد الوالي لمن غمط
21
أمره وسفه حقه، اللين بحتا والخير محضا، لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينه، ولا بشر يحبسهم إلى خيره، فقد ملكهم الخلع لعذرهم
22
ووسع لهم الفرجة لثنى أعناقهم؛ فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة، فنزوة
23
في رءوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم، ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم؛ وإن لم يقبلوا دعوته ويسرعوا لإجابته باللين المحض والخير الصراح، فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم، لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير ما لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس؛ ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها، فلولا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة، لما أجابوا لا قبلوا.