وأما موسى فأشار بأن يعصبوا
24
بشدة لا لين فيها، وأن يرموا بشر لا خير معه، وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته، وخالف جماعته، الخوف مفردا، والشر مجردا، ليس معهما طمع ولا لين يثنيهم، اشتدت الأمور بهم، وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: إما أن تدخلهم الحمية من الشدة، والأنفة من الذلة، والامتعاض من القهر؛ فيدعهم ذلك إلى التمادي في الخلاف، والاستبسال في القتال، والاستسلام للموت؛ وإما أن ينقادوا بالكره، ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة، وعدواة باقية، تورث النفاق وتعقب الشقاق؛ فإذا أمكنتهم فرصة، أو ثابت لهم قدرة، أو قويت لهم حال؛ عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشد مما كان.
وقال في قول الفضل: أيها المهدي، أكفى دليل، وأوضح برهان، وأبين خبر بان؛ قد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم، وتوجيه البعوث نحوهم، مع إعطائهم ما سألوا من الحق، وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل.
قال المهدي: ذلك رأى.
قال هارون: ما خلطت الشدة أيها المهدي باللين، وانتظم أمر الدنيا بالدين، فصارت الشدة أمر فطام
25
لما تكره، وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب؛ ولكن أرى غير ذلك.
قال المهدي: لقد قلت قولا بديعا، خالفت فيه أهل بيتك جميعا؛ والمرء مؤتمن بما قال، وظنين
26
بما ادعى حتى يأتي ببينة عادلة، وحجة ظاهرة، فاخرج عما قلت.
قال هارون: أيها المهدي، إن الحرب خدعة، والأعاجم قوم مكرة؛ وربما اعتدلت الحال بهم، واتفقت الأهواء منهم؛ فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون، وربما افترقت الحالان، وخالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، واستسر بمدخولة لا تعلن؛ والطبيب الرفيق بطبه، البصير بأمره، العالم بمقدم يده وموضع ميسمه؛
27
لا يتعجل بالدواء، حتى يقع على معرفة الداء، فالرأي للمهدي - وفقه الله - أن يفر باطن أمرهم فر
28
المسنة، ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء بمتابعة الكتب، ومظاهرة الرسل، وموالاة العيون، حتى تهتك حجب عيونهم، وتكشف أغطية أمورهم؛ فإن انفرجت الحال، وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال، اشتملت الأهواء عليه، وانقاد الرجال إليه، وامتدت الأعناق نحوه بدين يعتقدونه، وإثم يستحلونه، عصبهم بشدة لا لين فيها، ورماهم بعقوبة لا عفو معها، وإن انفرجت العيون، واهتصرت الستور، ورفعت الحجب، والحال فيهم مريعة، والأمور بهم معتدلة في أرزاق يطلبونها، وأعمال ينكرونها، وظلامات يدعونها، وحقوق يسألونها، بماتة
29
سابقتهم، ودالة مناصحتهم؛ فالرأي للمهدي - وفقه الله - أن يتسع لهم بما طلبوا، ويتجلى لهم عما كرهوا، ويشعب من أمرهم ما صدعوا، ويرتق من فتقهم ما قطعوا، ويولي عليهم من أحبوا؛ ويداوي بذلك مرض قلوبهم، وفساد أمورهم؛ فإنما المهدي وأمته، وسواد أهل مملكته، بمنزلة الطبيب الرفيق، والوالد الشفيق، والراعي المجرب الذي يحتال لمرابض غنمه، وضوال رعيته، حتى يبرئ المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى أنس جماعتها؛ ثم إن خرسان بخاصة الدين لهم دالة محمولة، وماتة مقبولة، ووسيلة معروفة، وحقوق واجبة؛ لأنهم أيدي دولته، وسيوف دعوته، وأنصار حقه، وأعوان عدله؛ فليس من شأن المهدي الاضطغان عليهم، ولا المؤاخذة لهم، ولا التوغير
30
بهم، ولا المكافأة بإساءتهم، لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى، ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلظ، أحزم في الرأي، وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها، حتى يلتئم قليلها بكثيرها، وتجتمع أطرافها إلى جمهورها.
قال المهدي: ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء، وانسل انسلال السيف فيما ادعى، فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنى بعده هارون، ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحرب وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج، وأفرط بهم الدالة؟