تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل؛ وابعث البعوث،

12

وجند الجنود، وكتب الكتائب، واعقد الألوية، وانصب الرايات، وأظهر أنك موجه إليهم الجيوش مع أحنق قوادك عليهم، وأسوئهم أثرا فيهم؛ ثم ادسس الرسل، وابثث الكتب، وضع بعضهم على طمع من وعدك، وبعضا على خوف من وعيدك؛ وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم، واغرس أشجار التنافس بينهم، حتى تملأ القلوب من الوحشة، وتنطوي الصدور على البغضة، ويدخل كلا من كل الحذر والهيبة؛ فإن مرام الظفر بالغيلة، والقتال بالحيلة، والمناصبة بالكتب، والمكايدة بالرسل، والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب، القوي الموقع من النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحيل، المبني على اللين الذي يستميل القلوب؛ ويسترق العقول والآراء، ويستميل الأهواء، ويستدعي المواتاة، أنفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح؛ كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل، ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة، أحكم عملا وألطف منظرا وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال والتغرير والخطار.

13

وليعلم المهدي أنه إن وجه لقتالهم رجلا لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة، تخرج عن حال شديدة، وتقدم على أسفار ضيقة، وأموال متفرقة، وقواد غششة؛ إن ائتمنهم استنفدوا ما له، وإن استنصحهم كانوا عليه لا له.

قال المهدي: هذا رأي قد أسفر نوره، وأبرق ضوءه، وتمثل صوابه للعيون، ومجد حقه في القلوب، ولكن فوق كل ذي علم عليم؛ ثم نظر إلى ابنه علي فقال: ما تقول؟

قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك، ولم ينصبوا من دونك أحدا يقدح في تغيير ملكك، ويربض الأمور لفساد دولتك؛ ولو فعلوا لكان الخطب أيسر، والشأن أصغر والحال أدل، لأن الله مع حقه الذي لا يخذله، وعند موعده الذي لا يخلفه، ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك الذين جعلك الله عليهم واليا، وجعل العدل بينك وبينهم حاكما، طلبوا حقا، وسألوا إنصافا، فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست

14

عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر الرب، وأطفأت نائرة

15

الحرب، ووفرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك، وسجية حلمك، وإسجاح

16

خليقتك، ومعدلة نظرك، فأمنت أن تنسب إلى ضعف، وأن يكون ذلك فيما بقي دربة؛ وإن منعتهم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحال، وساويتهم في ميدان الخطاب؛ فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته، مقرين بمملكته، مذعنين لطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملكهم أنفسهم ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الحيل معهم، ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة ومضمار المخاطرة؛ أيريد المهدي - وفقه الله - الأموال؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر منها، مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعي قبلهم، ولو نالها فحملت إليه، أو وضعت بخرائطها

17

بين يديه، ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم بها، لكان مما إليه ينسب وبه يعرف من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه.

فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا، وتحامل ولاتنا؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف

18

وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم وعظة لسواهم؛ فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد، مقرنين في الأصفاد؛ ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، ولإقالة عثرتهم صفحه؛ واستبقاهم لما هم فيه من حزبه، أو لمن بإزائهم من عدوه، لما كان بدعا من رأيه، ولا مستنكرا من نظره، لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا، وأشدها وقعا، وأصدقها صولة؛ وأنه لا يتعاظمه عفو، ولا يتكاءده

عصر المأمون · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٦٢