1
الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق، ثم خلطوا احتجاجا باعتذار، وخصومة بإقرار، وتنصلا باعتلال؛ فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خلائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه، فأعلمهم الحال واستنصحهم للرعية، ثم أمر الموالي بالابتداء، وقال للعباس بن محمد: أي عم! تعقب قولنا وكن حكما بيننا؛ وأرسل إلى ولديه موسى وهارون، فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي، وأمر محمد بن
2
الليث بحفظ مراجعتهم، وإثبات مقالتهم في كتاب.
فقال سلام
3
صاحب المظالم: أيها المهدي، إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة؛ استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها وذهبت بهم، وعرفوا بها وعرفت بهم؛ ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية، وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز
4
وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع؛ الذين رشحتهم سجالها، وفيأتهم ظلالها، وعضتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها؛ فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم؛ لوجدت نظائر تؤيد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوي قلبك؛ فأما نحن معاشر عمالك، وأصحاب دواوينك، فحسن بنا وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك، واستودعتنا من أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك، وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك.
فأجابه المهدي: إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حال تدبيرا يبطل الآخر الأول، ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا.
قال: نعم أيها المهدي، أنت متبع الرأي، وثيق العقدة، قوي المنة،
5
بليغ الفطنة، معصوم النية، محضور الروية ، مؤيد البديهة، موفق العزيمة، معان بالظفر، مهدي إلى الخير؛ إن هممت نفى عزمك مواقع الظن، وإن اجتمعت صدع فعلك ملتبس الشك؛ فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك، وقل ينطق الله بالحق لسانك؛ فإن جنودك جمة، وخزائنك عامرة، ونفسك سخية، وأمرك نافذ.
فأجابه المهدي: إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة؛ لا يهلك عليهما رأي، ولا يتغيل
6
معهما حزم، فأشيروا برأيكم، وقولوا بما يحضركم؛ فإني من ورائكم، وتوفيق الله من وراء ذلك.
قال الربيع: أيها المهدي، إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة، وإن الإشارة ببعض معاريض
7
القول يسيرة؛ ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة، متراخية الشقة، متفاوتة السبيل؛ فإذا ارتأيت من محكم التدبير، ومبرم التقدير، ولباب الصواب، رأيا قد أحكمه نظرك، وقلبه تدبيرك، فليس وراءه مذهب طاعن، ولا دونه معلق لخصومة عائب؛ ثم أجبت البرد به، وانطوت الرسل عليه، كان بالحرى ألا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ينقضه؛ فما أيسر أن ترجع إليك الرسل، وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم، وشوارد آثارهم، ومصادر أمورهم؛ فتحدث رأيا غيره وتبتدع تدبيرا سواه؛ وقد انفرجت الحلق، وتحللت العقد، واسترخى الحقاب،
8
وامتد الزمان، ثم لعلما موقع الآخرة كمصدر الأولى؛ ولكن الرأي لك أيها المهدي - وفقك الله - أن تصرف إجالة النظر، وتقليب الفكر، فيما جمعتنا له، واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم، والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل، وعقل كامل، وورع واسع، ليس موصوفا بهوى في سواك، ولا متهما في أثرة عليك، ولا ظنينا
9
على دخلة مكروهة، ولا منسوبا إلى بدعة محذورة؛ فيقدح في ملكك، ويربض
10
الأمور لغيرك؛ ثم تسند إليه أمورهم، وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم، وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة الأمور، واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها؛ فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة وقويت المكيدة، ونفذ العمل وأحد النظر، إن شاء الله.
قال الفضل بن العباس: أيها المهدي، إن ولي الأمور وسائس الحروب ربما نحى جنوده، وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه، ولا ضغطة حال اضطرته؛ فيقعد عند الحاجة إليها، وبعد التفرقة لها عديما منها فاقدا لها، لا يثق بقوة، ولا يصول بعدة، ولا يفزع إلى ثقة؛ فالرأي لك أيها المهدي - وفقك الله - أن تعفي خزائنك من الإنفاق للأموال، وجنودك من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار، وتغرير القتال، ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون، والعطاء لما يسألون؛ فيفسد عليك أدبهم، وتجرئ من رعيتك غيرهم؛ ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم باللين، وخاتلهم بالرفق، وأبرق