يخبرنا ابن أبي أصيبعة في الباب الذي أفرده لأطباء العرب في إبان الإسلام، أن «الحارث بن كلدة» تعلم الطب بناحية فارس، وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء، ويخبرنا أيضا أن عبد الملك بن أبحر الكناني الذي أسلم على يد عمر بن عبد العزيز حينما كان أميرا على مصر، كان طبيبا عالما ماهرا، وأنه كان في أول أمره في الإسكندرية؛ لأنه كان المتولي التدريس بها من بعد العلماء الإسكندريين، وزاد بأن عمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه نقل التدريس إلى أنطاكية وحران، وتفرق في البلاد، ثم ذكر ابن أثال، طبيب معاوية، وتكلم عن علمه بالأدوية المفردة والمركبة، وذكر أبا الحكم «وتماذوق» طبيب الحجاج، وحسبنا هذا دلالة على ما أفاد العرب أو ما يمكن أن يفيدوا من علم الطب.
فلننتقل من هذا إلى التكلم عن حركة النقل والترجمة، ويكفينا الآن أن ننظر فيما رواه صاحب الفهرست عن ذلك إذ يقول:
كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي. وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان - وكان باللغة الفارسية - إلى العربية في أيام الحجاج، والذي نقله صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم. وكان أبو صالح من سبي سجستان، وكان يكتب لزادانفروخ بن بيري كاتب الحجاج يخط بين يديه بالفارسية والعربية، فخف على قلب الحجاج، فقال صالح لزادانفروخ: إنك أنت سببي إلى الأمير، وأراه قد استخفني ولا آمن أن يقدمني عليك وأن تسقط منزلتك، فقال: لا تظن ذلك هو إلي أحوج مني إليه لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري، فقال: والله لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته، قال: فحول منه أسطرا حتى أرى. ففعل، فقال له: تمارض، فتمارض، فبعث الحجاج إليه تيادروس طبيبه، فلم ير به علة؛ وبلغ زادانفروخ ذلك فأمره أن يظهر، واتفق أن قتل زادانفروخ في فتنة ابن الأشعث وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، فاستكتب الحجاج صالحا مكانه، فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين صاحبه في نقل الديوان، فعزم الحجاج على ذلك وقلده صالحا، فقال له مردانشاه بن زادانفروخ: كيف تصنع بدهويه وششويه؟ قال: أكتب عشرا ونصف عشر، قال: فكيف تصنع بويد؟ قال: أكتب وأيضا قال: والويد النيف والزيادة تزاد، فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية! وبذلت له الفرس مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان، فأبي إلا نقله فنقله، فكان عبد الحميد بن يحيى يقول: لله در صالح! ما أعظم منته على الكتاب! وكان الحجاج أجله أجلا في نقل الديوان.
فأما الديوان بالشام فكان بالرومية، والذي كان يكتب عليه سرجون بن منصور لمعاوية بن أبي سفيان، ثم منصور بن سرجون، ونقل الديوان في زمن هشام بن عبد الملك نقله أبو ثابت سليمان بن سعد مولى حسين، وكان على كتابة الرسائل أيام عبد الملك. وقد قيل: إن الديوان نقل في أيام عبد الملك، فإنه أمر سرجون ببعض الأمر فتراخى فيه، فأحفظ ذلك عبد الملك فاستشار سليمان؛ فقال له: أنقل الديون وأرتجل منه.
ثم نجده يتكلم في مكان آخر عن اصطفن القديم، وأنه نقل لخالد بن يزيد بن معاوية كتب الصنعة وغيرها، فنحن نجد من هذا وغيره أن اللغة العربية أخذت تجري أشواطا في حلبة العلوم في هذا العصر. •••
ونريد أن نشرح شرحا بسيطا حال الخطابة والكتابة في العصر الأموي متوخين الاختصار على قدر الطاقة فنقول: (4) الخطابة ومميزاتها
لم تزدهر الخطابة في عصر من عصور الآداب العربية، كما ازدهرت في هذا العصر، لاعتماد الناس عليها في السياسة والدين، وقد جعلها الدين الإسلامي فرضا من الفروض في الدعوة إليه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كانت الوسيلة في قمع الفتن ورد البدع، وكانت لسان القائد في جنده يستنهض بها عزماتهم، والوالي في رعيته يستفز بها حميتهم، والزعيم في شعبه يجمع بها شتاتهم، إذ لم يكن غيرها من وسائل التبليغ ميسورا؛ لذيوع الأمية وفقدان وسائل النشر.