تعلق روحي روحها قبل خلقنا
ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا
وليس إذا متنا بمنصرم العهد
ولكنه باق على كل حادث
وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
فقال له الطبيب: إن مما يسليك عنها أن تتذكر ما فيها من المساوئ والمعايب، فإن النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها.
فلما طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امرأة جميلة فلعله يسلو بها عن لبنى، فدعاه إلى ذلك فأباه وقال:
لقد خفت ألا تقنع النفس بعدها
بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وأزجر عنها النفس إذ حيل دونها
وتأبى إليها النفس إلا تطلعا
ولما تزوجت لبنى بآخر أتى موضع خبائها فنزل عن راحلته وجعل يتمعك
411
موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء ثم قال:
إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا
إلى الله فقد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه
نحيل وعهد الوالدين قديم
بكت دارهم من نأيهم فتهللت
دموعي فأي الجازعين ألوم
أمستعبر يبكي من الشوق والهوى
أم اخر يبكي شجوه ويهيم
تهيضني من حب لبنى علائق
وأصناف حب هولهن عظيم
ومن يتعلق حب لبنى فؤاده
يمت أو يعش ما عاش وهو كليم
فإني وإن أجمعت عنك تجلدا
على العهد فيما بيننا لمقيم
وإن زمانا شتت الشمل بيننا
وبينكم فيه العدا لمشوم
أفي الحق هذا أن قلبك فارع
صحيح وقلبي في هواك سقيم
وقال في رحيل لبنى عن وطنها وانتقالها إلى زوجها بالمدينة وهو مقيم في حيها:
بانت لبينى فهاج القلب من بانا
وكان ما وعدت مطلا وليانا
412
وأخلفتك منى قد كنت تأملها
فأصبح القلب بعد البين حيرانا
الله يدري وما يدري به أحد
ماذا أجمجم من ذكراك أحيانا
يا أكمل الناس من قرن إلى قدم
وأحسن الناس ذا ثوب وعريانا
نعم الضجيع بعيد النوم تجلبه
إليك ممتلئا نوما ويقظانا
لا بارك الله فيمن كان يحسبكم
إلا على العهد حتى كان ما كانا
حتى استفقت أخيرا بعد ما نكحت
فبت للشوق أذري الدمع تهتانا
إن تصرمي الحبل أو تمسي مفارقة
فالدهر يحدث للإنسان ألوانا
وما أرى مثلكم في الناس من بشر
فقد رأيت به حيا ونسوانا
وشكا أبو لبنى لمعاوية تعرض قيس لابنته بعد طلاقها، فكتب معاوية إلى الأمير يهدر دمه إن ألم بها، وأن يشتد في ذلك؛ فكتب مروان في ذلك إلى صاحب الماء الذي ينزله أبو لبنى كتابا وكيدا، ووجهت لبنى رسولا إلى قيس تعلمه ما جرى وتحذره؛ وبلغ أباه الخبر، فعاتبه وتجهمه، وقال له: انتهى بك الأمر إلى أن يهدر السلطان دمك؛ فقال:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها
مقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا
ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى الله أشكو من ألاقي من الهوى
ومن حرق تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشى
وليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين غزيرة
بكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى
بأنعم حالى غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لهم
بطون الهوى مقلوبة لظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا
ولكنما الدنيا متاع غرور
وقال في إهدار معاوية دمه إن هو زارها:
إن تك لبنى قد أتى دون قربها
حجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بيننا
ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي
ونعلم أيا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا
سماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي
ترات بغاها عندنا وذحول
413
ولما انصرف الناس من الحج مرض قيس مرضا شديدا فلم يأته رسولها عائدا، فقال:
ألبنى لقد حلت عليك مصيبتي
غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنينني نيلا وتلوينني قلى
فنفسي شوقا كل يوم تقطع
وقلبك قط لا يلين لما يرى
فوا كبدي قد طال هذا التضرع
ألومك في شأني وأنت مليمة
لعمري وأجفى للمحب وأقطع
أخبرت أني فيك ميت حسرتي
فما فاض من عينيك للوجد مدمع
ولكن لعمري قد بكيتك جاهدا
وإن كان دائي كله منك أجمع
صييحة جاء العائدات يعدنني
فظلت علي العائدات تفجع