تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لبينى بسري فامضيا وذراني

أنل حاجتي وحدي ويا رب حاجة

قضيت على هول وخوف جنان

فإني أحق الناس ألا تحاورا

وتطرحا من لو يشاء شفاني

ومن قادني للموت حتى إذا صفت

مشاربه السم الذعاف سقاني

فأقاموا معه حتى لقيها.

لما ألح ذريح على ابنه قيس في طلاق لبنى فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه في الرمضاء وقال: لا والله لا أريم هذا الموضع حتى أموت أو يخليها، فجاءه قومه من كل ناحية فعظموا عليه الأمر وذكروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك! إن مات شيخك على هذه الحال كنت معينا عليه وشريكا في قتله، ففارق لبنى على رغم أنفه وقلة صبره وبكاء منه حتى بكى لهما من حضرهما؛ وأنشأ يقول:

أقول لخلتي في غير جرم

ألا بيني، بنفسي أنت، بيني

فوالله العظيم لنزع نفسي

وقطع الرجل مني واليمين

أحب إلي يا لبنى فراقا

فبكي للفراق وأسعديني

ظلمتك بالطلاق بغير جرم

فقد أذهبت آخرتي وديني

قال: فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا، وأنشأت تقول:

رحلت إليه من بلدي وأهلي

فجازاني جزاء الخائنينا

فمن راني فلا يغتر بعدي

بحلو القول أو يبلو الدفينا

فلما انقضت عدتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أتيت براحلة لتحمل عليها، فلما رأى ذلك قيس داخله أمر عظيم واشتد لهفه، وأنشأ يقول:

بانت لبينى فأنت اليوم متبول

وإنك اليوم بعد الحزم مخبول

فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحة

ودل لبنى - لها الخيرات - معسول

هل ترجعن نوى لبنى بعاقبة

كما عهدت ليالي العشق مقبول

وقد أراني بلبنى حق مقتنع

والشمل مجتمع والحبل موصول

فصرت من حب لبنى حين أذكرها

القلب مرتهن والعقل مدخول

أصبحت من حب لبنى بل تذكرها

في كربة ففؤادي اليوم مشغول

والجسم مني منهوك لفرقتها

يبريه طول سقام فهو منحول

كأنني يوم ولت ما تكلمني

أخو هيام مصاب القلب مسلول

أستودع الله لبنى إذ تفارقني

عن غير طوع وأمر الشيخ مفعول

ثم ارتحلت لبنى، فجعل قيس يقبل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها، فلما رأى ذلك قومه أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم، فقال ذريح لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يا بني؛ فقال له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي. وأقبل قومه يعذلونه في تقبيل التراب، فأنشأ يقول:

فما حبي لطيب تراب أرض

ولكن حب من وطئ الترابا

فهذا فعل شيخينا جميعا

أرادا لي البلية والعذابا

وله قصيدة طويلة في تطليقه لبنى يقول فيها:

فواكبدي وعاودني رداعي

408

وكان فراق لبنى كالجداع

409

تكنفني الوشاة فأزعجوني

فيا لله للواشي المطاع

فأصبحت الغداة ألوم نفسي

على شيء وليس بمستطاع

كمغبون يعض على يديه

تبين غبنه بعد البياع

بدار مضيعة تركتك لبنى

كذاك الحين يهدي للمضاع

وقد عشنا نلذ العيش حينا

لو ان الدهر للإنسان واعي

ولكن الجميع إلى افتراق

وأسباب الحتوف لها دواعي

واجتمع إليه نسوة فأطلن الجلوس عنده وحادثنه وهو ساه عنهن، ثم نادى: يا لبنى، فقلن له: ما لك ويحك؟ فقال: خدرت رجلي ويقال: إن دعاء الإنسان باسم أحب الناس إليه يذهب خدر الرجل، فناديتها لذلك. وقال:

إذا خدرت رجلي تذكرت من لها

فناديت لبنى باسمها ودعوت

دعوت التي لو أن نفسي تطيعني

لفارقتها من حبها وقضيت

برت نبلها للصيد لبنى وريشت

وريشت أخرى مثلها وبريت

فلما رمتني أقصدتني بسهمها

وأخطأتها بالسهم حين رميت

وفارقت لبنى ضلة فكأنني

قربت إلى العيوق

410

ثم هويت

فيا ليت أني مت قبل فراقها

وهل ترجعن فوت القضية ليت

فصرت وشيخي كالذي عثرت به

غداة الوغى بين العداة كميت

فقامت ولم تضرر هزالا سوية

وفارسها تحت السنابك ميت

فإن يك تهيامي بلبنى غواية

فقد يا ذريح بن الحباب غويت

فلا أنت ما أملت في رأيته

ولا أنا لبنى والحياة حويت

فوطن لهلكي منك نفسا فإنني

كأنك بي قد يا ذريح قضيت

ومرض قيس، فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويحدثنه أو يعلق بعضهن، ففعلن ذلك، ودخل إليه طبيب ليداويه والفتيات معه، فلما اجتمعن عنده جعلن يحادثنه وأطلن السؤال عن سبب علته، فقال:

عصر المأمون · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٥٦