396
التقادم حاجتي
ملم على أوطان ليلى فناظر
كان المجنون وليلى وهما صبيان يرعيان غنما لأهلهما عند جبل في بلادهما يقال له التوباد،
397
فلما ذهب عقله وتوحش، كان يجيء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا تذكر أيام كان يطيف هو وليلى به جزع جزعا شديدا واستوحش فهام على وجهه حتى يأتي نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلدا لا يعرفه فيقول للناس الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التوباد من أرض بني عامر؟ فيقال له: وأين أنت من أرض بني عامر! أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمه، فيمضي على وجهه نحو ذلك النجم حتى يقع بأرض اليمن، فيرى بلادا ينكرها وقوما لا يعرفهم فيسألهم عن التوباد وأرض بني عامر، فيقولون: وأين أنت من أرض بني عامر! عليك بنجم كذا وكذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التوباد، فإذا رآه قال في ذلك:
وأجهشت
398
للتوباد حين رأيته
وكبر للرحمن حين رآني
وأذريت دمع العين لما عرفته
ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له قد كان حولك جيرة
وعهدي بذاك الصرم منذ زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم
ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
وإني لأبكي اليوم من حذري غدا
فراقك والحيان مجتمعان
سجالا وتهتانا
399
ووبلا وديمة
وسحا وتسجاما
400
إلى هملان
401
وكان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحا يصيح: يا ليلى في ليلة ظلماء أو توهم ذلك، فقال لبعض من معه: أما تسمع هذا الصوت؟ فقال: ما سمعت شيئا، قال: بلى، والله هاتف يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول:
أقول لأدنى صاحبي كليمة
أسرت من الأقصى أجب ذا المناديا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني
أصانع رحلي
402
أن يملي حياليا
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن
شمالا ينازعني الهوى عن شماليا
خطب ليلى صاحبة المجنون جماعة من قومها فكرهتهم، فخطبها رجل من ثقيف موسر فرضيته، وكان جميلا فتزوجها وخرج بها، فقال المجنون في ذلك:
ألا إن ليلى كالمنيحة
403
أصبحت
تقطع إلا من ثقيف حبالها
فقد حبسوها محبس البدن وابتغى
بها الربح أقوام تساحت
404
مالها
خليلي هل من حيلة تعلمانها
يدني لنا تكليم ليلى احتيالها
فإن أنتما لم تعلماها فلستما
بأول باغ حاجة لا ينالها
كأن مع الركب الذين اغتدوا بها
غمامة صيف زعزعتها شمالها
نظرت بمفضى سيل جوشن
405
إذ غدوا
تخب بأطراف المخارم
406
آلها
بشافية الأحزان هيج شوقها
مجامعة الألاف ثم زيالها
إذا التفتت من خلفها وهي تعتلي
بها العيس جلى عبرة العين حالها
وله:
وأحبس عنك النفس والنفس صبة
بذكراك والممشى إليك قريب
مخافة أن تسعى الوشاة بظنة
وأحرسكم أن يستريب مريب
فقد جعلت نفسي - وأنت اجترمته
وكنت أعز الناس - عنك تطيب
فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل
لك الدهر مني ما حييت نصيب
أما والذي يبلو السرائر كلها
ويعلم ما تبدي به وتغيب
لقد كنت ممن تصطفي النفس خلة
لها دون خلان الصفاء حجوب
قيس بن ذريح
407
من شعر قيس:
يقولون لبنى فتنة كنت قبلها
بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي
وأقررت عين الشامت المتخلق
وددت وبيت الله أني عصيتهم
وحملت في رضوانها كل موبق
وكلفت خوض البحر والبحر زاخر
أبيت على أثباج موج مغرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها
عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر
ويكره سمعي بعدها كل منطق
وخرج قيس في فتية من قومه واعتل على أبيه بالصيد، فأتى بلاد لبنى، فجعل يتوقع أن يراها أو يرى من يرسل إليها، فاشتغل الفتيان بالصيد، فلما قضوا وطرهم منه رجعوا إليه وهو واقف، فقالوا له: قد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك وأنك لم ترد الصيد وإنما أردت لقاء لبنى وقد تعذر عليك، فانصرف الآن؛ فقال:
وما حائمات حمن يوما وليلة
على الماء يغشين العصي حواني
عوافي لا يصدرن عنه لوجهة
ولا هن من برد الحياض دواني
يرين حباب الماء والموت دونه
فهن لأصوات السقاة رواني
بأجهد مني حر شوق ولوعة
عليك ولكن العدو عداني
خليلي إني ميت أو مكلم