تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أثره في فتق أذهانهم، وصقل عباراتهم، وتوحيد لهجاتهم، بل كان الكنز الذي يلجئون إلى ما فيه من أدب جم، وعظة بالغة، وأساليب رائعة، ويستمدون منه ما ينفعهم في معاشهم وحياتهم الدنيا والآخرة.

وإنه ليجدر بنا أن نتساءل عن مدى ما أصاب الآداب العربية من تغيير في العصر الأموي، وهو تغير خطير يستدعي درسه عناية ودقيق ملاحظة وتعرفا غير قليل لما كانت عليه الآداب في العصر الجاهلي. •••

إن تحول الآداب العربية في ذلك العصر أصاب التراث الجاهلي القديم من لغة وخطابة وشعر وأمثال، وما كان للقوم من علم بشئون الحياة والوجود، كما أنه أحدث علوما وآدابا اقتضاها الإسلام، وقد كان لكتاب الله وسنة رسوله وما للأئمة من تأويل في فهمهما، كان لذلك كله أثره في خلق علوم شرعية لم يكن للعرب منها حظ من قبل، فنشأ في هذا العصر علم التفسير ورواية الحديث وعلوم اللغة؛ كالنحو وما إلى النحو، على أن هذه العلوم الإسلامية المحدثة التي كانت وليدة العصر الأموي خاصة، وعصر صدر الإسلام عامة، لم تكن مولود هذا العصر الوحيد الذي أصبحت فيه البصرة دارا للعلم والعرفان والمدنية، ومسرحا للهو والافتتان، والشام مقر الملك والسلطان، بل كان إلى جانبها مولود آخر كان من شأنه وضع التاريخ والجغرافيا وغيرهما، واتخاذ ديوان الخاتم، ونقل الدواوين من لغة إلى أخرى، وقد كان هذا المولود الآخر نتيجة الفتوح الإسلامية، وخاصة تلك الأقطار التي كانت متأثرة بآداب الفرس والرومان واليونان، وبعبارة أدق: تلك العلوم التي أفادتها العرب أو الدولة الإسلامية من اعتناق الفرس وأهل الشام ومصر وغيرهم - من أسرى الروم - للإسلام، وقد تستدعي هذه النقطة توضيحا، ونظن أنا إذا ما فسرناها بعض التفسير نتعجل بموضوعنا الذي سنقبل عليه أخيرا، وخاصة إذا علمنا أن عصر المأمون وما فيه من فلسفة وعلم، ومن أدب وفن كان متأثرا بحركة النقل والترجمة، وأن تأثره هذا كان إلى مدى كبير يطبعه بطابع المدنية اليونانية والفارسية، ولكن هذا لا يمنعنا أن نلم به إلماما. (2) آثار الآداب والعلوم الفارسية واليونانية في العصر الأموي

كانت آداب الفرس قبيل الإسلام آدابا يونانية في جملتها؛ لأن التاريخ يحدثنا أن آدابهم الفنية القديمة التي كانت مجموعة طيبة لنتاج العقل الفارسي والهندي والآشوري - هذه الآداب قد نقلها الاسكندر الأكبر إلى بلاده - ثم تقلبت حياة الفرس بين ضعف وقوة وجهل وعلم، إلى أن تسلم كسرى صولجان ملكه، ولعب دوره العظيم في تاريخ بلاده، ولعل الأحوال العالمية عهدئذ ساعدته على مهمته في النهوض بالعقلية الفارسية وفي تجديد بعثها، ويقول لنا «چيون»: إن «يوستنيان» قيصر الروم حين اضطهد الفلسفة الأفلاطونية الجديدة أو الوثنية أقفل الهياكل والمدارس، وطارد العلماء المفكرين، فاضطر جماعة من هؤلاء الفلاسفة إلى الرحيل إلى بلاد الفرس؛ حيث وجدوا من كسرى أنوشروان من قدرهم قدرهم.

ويقول لنا الأستاذ «برون» في كتابه القيم عن تاريخ أدب الفرس حين تعرض لرأي المستشرق (نولدكه

Noldeké ) في هذا الصدد: «إن شغف كسرى بالبحوث الدينية والمناظرات الفلسفية وما كان يجد في ذلك من لذاذة وإمتاع ليعيد إلينا ذكرى المأمون والإمبراطور الأكبر مما نمسك عنه الآن.»

على أنا مع إمساكنا عن التبسط في القول لا يسعنا إلا أن نذكر في هذا المقام أن أنوشروان كان قد أسس مدرسة للطب والفلسفة في جنديسابور كانت لها شهرة مدرسة الإسكندرية، وإنه ليجدر بنا هنا أن ننظر هل استفاد العرب حقا من علوم الفرس عند ظهور الإسلام؟ وهل استفادوا من غزوهم مصر وفيها مدرسة الإسكندرية؟ ومن إخضاعهم الشام المتأثرة بآثار العقلية الرومانية؟ وهل وجدت حركة نقل في العصر الأموي؟ لأن في توضيحنا ذلك بعض النفع لنا في دراسة التحول العلمي والأدبي في تاريخ التمدين الإسلامي الذي وصل إلى درجة خليقة بالإجلال والإكبار في عصر المأمون، العصر الذي نضج فيه مختلف الفنون والآداب، فلنحاول توضيح شيء من ذلك متوخين حد القصد والإيجاز. (3) حركة النقل في العصر الأموي

عصر المأمون · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٤