حلفت يمينا يا بثينة صادقا
فإن كنت فيها كاذبا فعميت
إذا كان جلد غير جلدك مسني
وباشرني دون الشعار شريت
266
ولو أن راقي الموت يرقي جنازتي
بمنطقها في الناطقين حييت
وقال أيضا:
فقد لان أيام الصبا ثم لم يكد
من الدهر شيء بعدهن يلين
ظعائن ما في قربهن لذي هوى
من الناس إلا شقوة وفتون
وواكلنه والهم ثم تركنه
وفي القلب من وجد بهن رهين
فواحسرتا إن حيل بيني وبينها
ويا حين نفسي كيف فيك تحين
فشيب روعات الفراق مفارقي
وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
شهدت بأني لم تغير مودتي
وأني بكم حتى الممات ضنين
وأن فؤادي لا يلين إلى هوى
سواك وإن قالوا بلى سسيلين
وإني لأستغشي وما بي نعسة
لعل لقاء في المنام يكون
ولما علوت اللابتين تشوقت
قلوب إلى وادي القرى وعيون
كأن دموع العين يوم تحملت
بثينة يسقيها الرشاش معين
ورحن وقد ودعن عندي لبانة
لبثنة سر في الفؤاد كمين
كسر الثرى لم يعلم الناس أنه
ثوى في قرار الأرض وهو دفين
فإن دام هذا الصرم منك فإنني
لأغبر هاري الجانبين رهين
لكيما يقول الناس مات ولم أهن
عليك ولم تنبت منك قرون (1-3) الغزل الصناعي
كثير
قال أبو الفرج قال محمد بن عبد العزيز: ما قصد القصيد ولا نعت الملوك مثل كثير.
267
وقال إبراهيم بن سعد: إني لأروي لكثير ثلاثين قصيدة لو رقي بها مجنون لأفاق، وكان بعض أصحاب الحديث يأتونه، وهو خبيث النفس، فيسألونه عن شعر كثير فتطيب نفسه ويحدثهم. وقال عبد الله بن أبي عبيدة: من لم يجمع من شعر كثير ثلاثين لامية فلم يجمع شعره. وكان ابن أبي عبيدة يملي شعره بثلاثين دينارا. وسئل مصعب: من أشعر الناس؟ فقال: كثير بن أبي جمعة، وقال: هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامتهم، يعني الشعراء. ولم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كثير. وقال محمد بن سلام: كان كثير شاعر أهل الحجاز، وهو شاعر فحل ولكنه منقوص حظه بالعراق. وقال يونس النحوي: كثير أشعر أهل الإسلام، وكان ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدا ، ويقول: كان يستقصي المديح، وكان فيه مع جودة شعره خطل وعجب. وقال المسور بن عبد الملك: ما ضر من يروي شعر كثير وجميل ألا تكون عنده مغنيتان مطربتان.
وكان قصيرا، قال الوقاصي: رأيت كثيرا يطوف بالبيت، فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذبه. وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ رأسك لا يصبه السقف. وقال كثير: في أي شيء أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: في قوله فيهم:
وما كان مالي طارفا من تجارة
وما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطايا من إمام مبارك
ملا الأرض معروفا وجودا وسوددا
فقال كثير: إنه لضرع قبحه الله! ألا قال كما قلت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها
واذكر خليليك من بني الحكم
وما أعطياني ولا سألتهما
ألا وإني لحاجزي كرمي
إني متى لا يكن نوالهما
عندي بما قد فعلت أحتشم
مبدي الرضا عنهما ومنصرف
عن بعض ما لو فعلت لم ألم
لا أنزر
268
النائل الخليل إذا
ما اعتل نزر الظئور لم ترم
وطلب من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أرضا له يقال لها: غرب، وقدم بين يدي طلبه تلك الأبيات:
جزتك الجوازي عن صديقك نضرة
وأدناك ربي في الرفيق المقرب
فإنك لا يعطى عليك ظلامة
عدو ولا تنأى عن المتقرب
وإنك ما تمنع فإنك مانع
بحق وما أعطيت لم تتعقب
فقال له: أترغب غربا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اكتبوها له، ففعلوا.
ونسب كثير لكثرة نسبيه بعزة الضمرية إليها، وعرف بها فقيل: كثير عزة، وهي عزة ابنة حميد بن وقاص. وكان ابتداء عشقه إياها أنه مر بنسوة من بني ضمرة ومعه جلب غنم، فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشا، وأعجبته، فلما رجع جاءته امرأة منهن بدارهمه؛ فقال: وأين الصبية التي أخذت مني الكبش؟ قالت: وما تصنع بها وهذه دراهمك؟ قال: لا آخذ دارهمي إلا ممن دفعت الكبش إليها، وخرج وهو يقول: