وإن لأرضى من بثينة بالذي
لو ابصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبألا أستطيع وبالمنى
وبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظر العجلى وبالحول ينقضي
أواخره لا نلتقي وأوائله
فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.
ومن قول جميل:
إن المنازل هيجت أطرابي
واستعجمت آياتها بجوابي
قفزا تلوح بذي اللجين كأنها
أنضاء رسم أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تبادرت
مني الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقني
وذكرت أيامي وشرخ شبابي
لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل على قوز
237
رمل يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول:
أيا ريح الشمال أما تريني
أهيم وأنني بادي النحول
هبي لي نسمة من ريح بثن
ومني بالهبوب إلى جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي
قليلك أو أقل من القليل
ومن قوله:
يقيك جميل كل سوء أما له
لديك حديث أو إليك رسول
وقد قلت في حبي لكم وصبابتي
محاسن شعر ذكرهن يطول
فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي
هبوب الصبا يا بثن كيف أقول
فما غاب عن عيني خيالك لحظة
ولا زال عنها والخيال يزول
ومنه:
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما
على عذبة الأنياب طيبة النشر
ألما بها ثم اشفعا لي وسلما
عليها سقاها الله من سائغ القطر
إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت
جزعت لنأي الدار منها وللبعد
أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد
سواها وحب القلب بثنة لا يجدي
وفيها يقول:
سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة
صدور المطايا وهي موقرة تخدي
238
وهل فاضت العين الشروق بمائها
من اجلك حتى اخضل من دمعها بردي
وإني لأستجري لك الطير جاهدا
لتجري بيمن من لقائك أو سعد
وإنى لأستبكي إذا الركب غردوا
بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي
فهل تجزيني أم عمرو بودها
فإن الذي أخفى بها فوق ما أبدي
وكل محب لم يزد فوق عهده
وقد زدتها في الحب مني على العهد
ومن قوله فيها:
لها في سواد القلب حب ومنعة
هي الموت أو كادت على الموت تشرف
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة
من الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلا اعترتني زفرة واستكانة
وجاد لها سجل من العين يذرف
وما استطرفت نفسي حديثا لخلة
أسر به إلا حديثك أطرف
وأول هذه القصيدة:
أمن منزل فقز تعفت رسومه
شمال تغاديه ونكباء حرجف
239
فأصبح قفرا بعد ما كان آهلا
وجمل المنى تشتو به وتصيف
ظللت ومستن من الدمع هامل
من العين لما عجت بالدار ينزف
أمنصفتي جمل فتعدل بيننا
إذا حكمت والحاكم العدل ينصف
تعلقتها والجسم مني مصحح
فما زال ينمي حب جمل وأضعف
إلى اليوم حتى سل جسمي وشفني
وأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف
قناة من المران ما فوق حقوها
240
وما تحته منها نقا يتقصف
241
لها مقلتا ريم وجيد جداية
242
وكشح كطي السابرية أهيف
ولست بناس أهلها حين أقبلوا
وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا
وقالوا جميل بات في الحي عندها
وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا
وفي البيت ليث الغاب لولا مخافة
على نفس جمل والإله لأرعفوا
هممت وقد كادت مرارا تطلعت
إلى حربهم نفسي وفي الكف مرهف
وما سرني غير الذي كان منهم
ومني وقد جاءوا إلي وأوجفوا
فكم مرتج أمرا أتيح له الردى
ومن خائف لم ينتقصه التخوف
ومنها:
أأن هتفت ورقاء ظلت سفاهة
تبكي على جمل لورقاء تهتف
فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقة
صرمت ولكني عن الصرم أضعف
قيل: إن مروان طلب إلى جميل أن ينزل فيرجز
243
به، وهو يريد أن يمدحه، فنزل جميل فقال:
أنا جميل في السنام الأعظم
الفارع الناس الأعز الأكرم
أحمي ذماري ووجدت أقرمي
244
كانوا على غارب طود خضرم
245
أعيا على الناس فلم يهدم
فقال: عد عن هذا؛ فقال جميل:
لهفا على البيت المعدي لهفا
من بعد ما كان قد استكفا
ولو دعا الله ومد الكفا
لرجفت منه البلاد رجفا
وطلب ذلك إليه الوليد فقال:
أنا جميل في السنام من معد
في الذروة العلياء والركن الأشد
والبيت من سعد بن زيد والعدد