تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جميل

قال نصيب مولى عبد العزيز بن مروان: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد الأشجعي، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر، فإنا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين يقود راحلة عليها بزة حسنة، فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا حبتر، هذا جميل

215

فادعه لعله ينشدنا؛ فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل؛ فالتفت فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر؛ فقال: قد علمت أنه لا يجترئ علي إلا مثلك، فأتاه، فقال له: أنشدنا؛ فأنشدهم:

ونحن منعنا يوم أول نساءنا

ويوم أفي والأسنة ترعف

216

يحب الغواني البيض ظل لوائنا

إذا ما أتانا الصارخ المتلهف

نسير أمام الناس والناس خلفنا

فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فأي معد كان فيء رماحه

كما قد أفأنا والمفاخر ينصف

وكنا إذا ما معشر نصبوا لنا

ومرت جواري طيرهم وتعيفوا

217

وضعنا لهم صاع القصاص رهينة

بما سوف نوفيها إذا الناس طففوا

218

إذا استبق الأقوام مجدا وجدتنا

لنا معرفا مجد وللناس معرف

ثم قال له: أنشدنا هزجا؛ قال: وما الهزج؟ لعله القصير! قال: نعم، فأنشده:

رسم دار وقفت في طلله

كدت أقضي الحياة من جلله

219

موحشا ما ترى به أحدا

تنسج الريح ترب معتدله

وصريعا بين الثمام ترقى

عازفات المدب في أسله

بين علياء رائش فبلي

فالغميم الذي إلى جبله

واقفا في ديار أم جسير

من ضحى يومه إلى أصله

يا خليلي إن أم جسير

حين يدنو الضجيع من غلله

220

روضة ذات حنوة وخزامى

جاد فيها الربيع من سبله

221

بينما نحن بالأراك معا

إذ بدا راكب على جمله

فتأطرت

222

ثم قلت لها

أكرميه حييت في نزله

فظللنا بنعمة واتكأنا

وشربنا الحلال من قلله

قد أصون الحديث دون أخ

لا أخاف الأذاة من قبله

غير بغض له ولا ملق

غير أني أشحت

223

من وجله

وخليل صافيت مرتضيا

وخليل فارقت من ملله

ثم اقتاد راحتله موليا؛ فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام؛ فقال ابن حسان: نعم والله وأشعر أهل الجاهلية، والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه؛ فقال عبد الرحمن ابن الأزهر: صدقت.

قال محمد بن سلام: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول، وكان الناس يستحسنون بين كثير في النسيب، وهو:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تمثل لي ليلى بكل سبيل

ورأيت من يفضل عليه بيت جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما

قتيلا بكى من حب قاتله قبلي

قيل إن بثينة واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع، فأتى لوعدها، وجاء أعرابي يستضيف القوم، فأنزلوه وقروه، فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم، فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده، فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيء الظن بها ورجع إلى أهله؛ فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها؛ فقال في ذلك:

فأجبتها بالقول بعد تستر

حبي بثينة عن وصالك شاغلي

أبثين إنك قد ملكت فأسجحي

224

وخذي بحظك من كريم واصل

فلرب عارضة علينا وصلها

بالجد تخلطه بقول الهازل

لو كان في صدري كقدر قلامة

فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي

ويقلن إنك قد رضيت بباطل

منها فهل لك في اجتناب الباطل

ليزلن عنك هواي ثم يصلنني

وإذا هويت فما هواي بزائل

صادت فؤادي يا بثين حبالكم

يوم الحجون وأخطأتك حبائلي

منيتني فلويت ما منيتني

وجعلت عاجل ما وعدت كآجل

وتثاقلت لما رأت كلفي بها

أحبب إلي بذاك من متثاقل

وأطعت في عواذلا فهجرتني

وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي

حاولنني لأبت حبل وصالكم

مني ولست وإن جهدن بفاعل

فرددتهن وقد سعين بهجركم

لما سعين له بأفوق ناصل

عصر المأمون · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٤١