تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الوصل يا هند لكي تصرمي

بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وكانت من أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فبهت لما رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه، فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له: اتق الله ولا تقل هجرا، فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت؛ فقال للجارية: أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيرا؛ وقال فيها:

لعائشة ابنة التيمي عندي

حمى في القلب، لا يرعى حماها

يذكرني ابنة التيمي ظبي

يرود بروضة سهل رباها

فقلت له وكان يراع قلبي

فلم أر قط كاليوم اشتباها

سوى حمش

178

بساقك مستبين

وأن شواك

179

لم يشبه شواها

وأنك عاطل عار وليست

بعارية ولا عطل يداها

وأنك غير أفرع

180

وهي تدلي

على المتنين أسحم

181

قد كساها

ولو قعدت ولم تكلف بود

سوى ما قد كلفت به كفاها

أظل إذا أكلمها كأني

أكلم حية غلبت رقاها

تبيت إلى بعد النوم تسري

وقد أمسيت لا أخشى سراها

وله:

إني وأول ما كلفت بحبها

عجب وهل في الحب من متعجب

نعت النساء فقلت لست بمبصر

شبها لها أبدا ولا بمقرب

فمكثن حينا ثم قلن توجهت

للحج، موعدها لقاء الأخشب

182

أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي

والقلب بين مصدق ومكذب

فلقيتها تمشي بها بغلاتها

ترمي الجمار عشية في موكب

غراء يعشى الناظرين بياضها

حوراء في غلواء

183

عيش معجب

إن التي من أرضها وسمائها

جلبت لحينك ليتها لم تجلب

وكان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعد المخزومية، فأرسل إليها رسولا فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألا تعاود؛ ثم أعادها ثانية ففعلت بها مثل ذلك، فتحاماها رسله؛ فابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة وأتى بها منزله فأحسن إليها وكساها وآنسها. وعرفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعة إلى كلثم فقرأتها فأنت حرة ولك معيشتك ما بقيت؛ فقالت: اكتب لي مكاتبة

184

واكتب حاجتك في آخرها، ففعل ذلك، فأخذتها ومضت بها إلى باب كلثم فاستأذنت فخرجت إليها أمة لها فسألتها عن أمرها؛ فقالت: مكاتبة لبعض أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي، وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها، فدخلت إلى كلثم وقالت: إن بالباب مكاتبة لم أر قط أجمل منها ولا أكمل ولا آدب؛ فقالت: ائذني لها، فدخلت، فقالت: من كاتبك؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة الفاسق! فاقرئي مكاتبتي، فمدت يدها لتأخذها فقالت لها: لي عليك عهد الله أن تقرئيها، فإن كان منك إلي شيء مما أحبه وإلا لم يلحقني منك مكروه؛ فعاهدتها وفطنت وأعطتها الكتاب، فإذا أوله:

من عاشق صب يسر الهوى

قد شفه الوجد إلى كلثم

رأتك عيني فدعاني الهوى

إليك للحين ولم أعلم

قتلتنا، يا حبذا أنتم

في غير ما جرم ولا مأثم

والله قد أنزل في وحيه

مبينا في آيه المحكم

من يقتل النفس كذا ظالما

ولم يقدها نفسه يظلم

وأنت ثأري فتلافي دمي

ثم اجعليه نعمة تنعمي

وحكمي عدلا يكن بيننا

أو أنت فيما بيننا فاحكمي

وجالسيني مجلسا واحدا

من غير ما عار ولا محرم

وخبريني ما الذي عندكم

بالله في قتل امرئ مسلم

فلما قرأت الشعر قالت لها: إنه خداع ملق وليس لما شكاه أصل؛ قالت: يا مولاتي، فما عليك من امتحانه؟ قالت: قد أذنت له وما زال حتى ظفر ببغيته! فقولي له: إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي؛ فانصرفت الجارية فأخبرته فتأهب لها، فلما جاءه رسولها مضى معه حتى دخل إليها وقد تهيأت أجمل هيئة، وزينت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر، فسلم وجلس، فتركته حتى سكن ثم قالت له: أخبرني عنك يا فاسق! ألست القائل:

هلا ارعويت فترحمي صبا

صديان لم تدعي له قلبا

جشم الزيارة في مودتكم

وأراد ألا ترهقي دنبا

ورجا مصالحة فكان لكم

سلما وكنت ترينه حربا

يا أيها المصفي مودته

من لا يراك مساميا خطبا

185

لا تجعلن أحدا عليك إذا

أحببته وهويته ربا

وصل الحبيب إذا شغفت به

واطو الزيارة دونه غبا

فلذاك أحسن من مواظبة

عصر المأمون · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٣٨