181
قد أوفى بنا على حائل دل على غابة من ورائها حمير وحش كثيرة، فأممناها، فلما تطرفنا مشيا
182
وتقريبا
183
إلى عاناته،
184
توالى نهيقه، وكثر شهيقه، فالتفتن إليه، فرمقن بأعينهن منا ما استكثرن شخصه، واستهولن أمره، حتى إذا كنا بمرأى ومسمع انجذبن موليات، وهربن مسيبات، فأجهدنا الركض في طلبهن، نتبع آثارهن، ونستشف بلاء بين أحفار
185
ودكادك
186
وخناذيذ،
187
حتى أشفى بنا الطلب لها على واد هائل سائل، بجنبتيه غابة أشبة قد سبقن إليها، واستخفين فيها، فنظمناها بالخيل نظم الخرز، ثم أوغلت عدة فرسان في نقضها ومعرفة أحوالها، والطبول خافقة، والأصوات شاهقة، فكان وكان؛ والحمد لله على كل حال.
| هوامش
| باب المنظوم
(1) الغزل
ذكرنا في المجلد الأول حالة الغزل في العصر الأموي، وكثرة ما نجد فيه من لواعج الحب ولفحاته، وشكايات الصب وأناته، وزفرات العاشق وعبراته، وبينا أنواعه المتباينة التي قسمناها إلى أربعة أقسام: (1)
غزل إباحي: ويصح لنا أن نتخذ من عمر بن أبي ربيعة زعيما لهذا النوع الذي يجمع إلى وصف المرأة والتشبيب بها، معاني العبث والاستمتاع باللذة المادية مما ينفر منه الأدب الجاهلي، ومما حظره عليه الكثيرون من خلفاء الإسلام وأئمته. وقد كانت مكة والمدينة مسرحا لهذا النوع في العصر الأموي. وقد شرحنا سبب ذلك في المجلد الأول فراجعه ثمة. (2)
غزل عذري: وهو غزل الحب الصادق، والعواطف المتأججة، والنفس المتألمة المعناة، تلك النفس التي تجد لذتها في الكلف بمن تحب والتعلق بها والشعور بالسعادة في الفناء في حبها، حبا يملك عليه لبه ويعذب روحه ويفنى جسمه، كغزل جميل زعيم هذا النوع. وليس أدل على صدق حبه مما أثبتناه عن كتاب الأغاني إذ حاول أبوه أن يصرفه عن حبه وحاجه في ذلك أجمل محاجة، فكان من جميل ما كان مما تجده مفصلا في هذا الباب. (3)
غزل صناعي: بين هذا وذاك، همه الإجادة في الشعر من حيث هو شعر، لا في الحب من حيث هو حب، ولنا في كثير عزة زعيم لهذا النوع الثالث. (4)
غزل قصصي: خلقه الرواة لأنهم رأوا ميل الناس إلى الغزل وإلى حياة القصف وما يتبع حياة القصف، فنظموا قصائد نحلوها لشعراء لا نستطيع أن نحتمل تبعة القول بوجودهم في الحياة، أو القول بأنهم أشخاص خياليون خلقهم الرواة، أو زادوا من عندهم مقطعات نسبوها لهم وأضافوها إلى شعرهم. وزعيما هذا النوع: قيس بن الملوح وليلاه، وقيس بن ذريح ولبناه.
وإيفاء بما وعدناك به نذكر زعيم كل نوع من هذه الأنواع مع ذكر ترجمته والمختار من شعره. (1-1) الغزل الإباحي
عمر بن أبي ربيعة
راق عمر بن أبي ربيعة
1
الناس وفاق نطراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدة الأسر، وحسن الوصف، ودقة المعنى، وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب، وحسن العزاء، وخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات المحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل. وعطف المساءة على العذال، وحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصار الخبر، وصدق الصفاء؛ إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن خبرة، ولم يعتذر بغرة، وأسر النوم، وغم الطير، وأغذ السير، وحير ماء الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، وأبرم نعت الرسل وحذر، وأعلن الحب وأسر، وبطن به وأظهر، وألح وأسف ، وأنكح النوم، وجنى الحديث وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، وقنع بالرجاء من الوفاء، وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن منى وأهدر قتلاه؛ وكان بعد هذا كله فصيحا.
فمن سهولة شعره وشدة أسره
2
قوله:
فلما تواقفنا وسلمت أشرقت
وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينني
وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
3
ومن حسن وصفه قوله: