162
أطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيدا بالعز، مخصوصا بالكرامة، ممتعا بالنعمة، إنه لم يلق
163
أحد من المقتنصين، ولا منح متطرف من المتصيدين، إلا دون ما لقانا
164
الله به من اليمن والبركة، ومنحنا من الظفر والسعادة في مسيرنا من كثرة الصيد، وحسن المقتنص، وتمكين الجاسة،
165
وقرب الغاية، وسهولة المورد، وعموم القدورة،
166
إلا ما كان من محاولة الطلب، وشدة النصب، لنافر الصيد، وقائد الطريدة التي أمعنا في الطلب لها، وأعجزنا البهر عن اللحاق بها، لتفاوت سبقها، ومنقطع هربها، ومتفرق سبلها، ثم آل بنا ذلك إلى حسن الظفر، وتناول الأرب، ونهاية الطرب.
وإني أخبر أمير المؤمنين أنا خرجنا إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضواري؛ أكرمها أجناسا، وأعظمها أجساما، وأحسنها ألوانا، وأحدها أطرافا، وأطولها أعضاء، قد ثقفت بحسن الأدب، وعودت شدة الطلب، وسبرت أعلام المواقف، وخبرت المجاثم، مجبولة على ما عودت، ومقصورة على ما أدبت. ومعنا من نفائس الخيل المخبورة الفراهة،
167
من الشهرية
168
الموصوفة بالنجابة، والجري والصلابة. فلم نزل بأخفض سير، وأثقف طلب، وقد أمطرتنا السماء مطرا متداركا، فربت منه الأرض، وزهر البقل، وسكن القتام من مثار
169
السنابك، ومتشعبات
170
الأعاصير، مهلة أن سرنا غلوات، ثم برزت الشمس طالعة، وانكشفت [مني] السحاب مسفرة، فتلألأت الأشجار، وضحك النوار، وانجلت الأبصار، فلم نر منظرا أحسن حسنا، ولا مرموقا أشبه شكلا، من ابتسام نور الشمس عن اخضرار زهرة الرياض. والخيل تمرح بنا نشاطا، وتجتنبنا أعنتها انبساطا؛ ثم لم نلبث أن علتنا ضبابة تقصر
171
طرف الناظر، وتخفي
172
سبل السلام، تغشانا تارة وتنكشف أخرى، ونحن بأرض دمثة التراب، أشبة
173
الأطراف، مغدقة الفجاج، مملوءة صيدا من الظباء والثعالب والأرانب؛ فأدانا المسير إلى غاية دونها مألف الصيد، ومجتمع الوحش، ونهاية الطلب، قد جاوزناها ونحن على سبيل الطلب ممعنون، وبكل حرة
174
جونة
175
متفرقون، فرجع بنا العود على البدء، وقد انجلت الضبابة، وامتد البصر، وأمكن النظر، فإذا نحن برعلة
176
من ظباء، وخلفة آرام يرتعن آنسات، قد أحالتهن الضبابة عن شخصنا، وأذهلهن أنيق الرياض عن استماع حسنا، فلم نعج
177
إلا والضوراي لائحة لهن من بعد الغاية، ومنتهى نظر الشاخص؛ ثم مدت الجوارح أجنحتها، واجتذبت الضوراي مقاودها، فأمرت بإرسالها على الثقة بمحضرها، وسرعة الجوارح في طلبها، فمرت تحف حفيف الريح عند هبوبها، تسف الأرض سفا، كاشفة عن آثارها، طالبة لخيارها، حارشة بأظفارها، قد مزقتها تمزيق الريح الجراد؛ فمن صائح بها وناعر، وهاتف بها وناعق، يدعو الكلب باسمه، ويفديه بأبيه وأمه؛ وراكض تحت مفره، وخافق يطلبه الرمح، وطامح يمنعه، وسانح قد عارضه بارح، قد حيرتنا الكثرة، وألهجتنا القدرة، حتى امتلأت أيدينا من صنوف الصيد، والله المنعم الوهاب.
ثم ملنا يا أمير المؤمنين بهداية دليل قد أحكمته التجارب، وخبر أعلام المذانب، إلى غدير أفيح، وروضة خضرة، مستأجمة بتلاوين الشجر، ملتفة بصنوف الخمر،
178
مملوءة من أنواع الطير، لم يذعرهن صائد، ولا اقتنصهن قانص، فخفق لها بطبول، وصفر بنفير الحتف، فثار منها ما ملأ الأفق كثرتها، وراعت الجوارح خفقات أجنحتها؛ ثم انبرت البزاة لها صائدة، والصقور كاسرة، والشواهين ضارية، يرفعن الطلب لها، ويخفضن الظفر بها، حتى سئمنا من الذبح، وامتلأنا من النصيح؛
179
كانا كتيبة ظفرت ببغيتها، وسرية نصرت على عدوها، وألحقت ضعيفها بقويها، وغلبت
180
محسنها بمسيئها؛ لا نملك أنفسنا مرحا، ولا نستفيق من الجذل بها فرحا، بقية يومنا، والله المنعم الوهاب.
ثم غدونا يا أمير المؤمنين إلى أرض وصف لنا صيدها بالكثرة، ورياضها بالنزهة، فزل واصفها عن الطريقة، واعتمد بنا على غير الحقيقة؛ فأتيناها فلم نر صيدا ولا عشبا، ولا نزهة ولا حسنا، فجعلنا نسلك منها حزونا ووعورا، وجدوبا وقفرا، حتى قصر بنا اليأس عن الطلب، وقطع بنا عن الطمع النصب. فبينا نحن كذلك، إذ بدا لنا جأب