تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

157

عروة النجاة؛ موضحا لهم سبل الغواية، زاجرا لهم عن طريق الضلالة، محذرا لهم الهلكة، موعزا إليهم في التقدمة، ضاربا لهم الحدود على ما يتقون من الأمور ويخشون، وما إليه يسارعون ويطلبون؛ صابرا نفسه على الأذى والتكذيب، داعيا لهم بالترغيب والترهيب؛ حريصا عليهم، متحننا على كافتهم، عزيزا عليه عنتهم، رءوفا بهم رحيما، تقدمه شفقته عليهم وعنايته برشدهم إلى تجريد الطلب إلى ربه فيما فيه بقاء النعمة عليهم، وسلامة أديانهم، وتخفيف آصار

158

الأوزار عنهم، حتى قبضه الله إليه

صلى الله عليه وسلم

ناصحا متنصحا، أمينا مأمونا، قد بلغ الرسالة، وأدى النصيحة، وقام بالحق، وعدل عمود الدين، حتى اعتدل ميله، وأذل الشرك وأهله، وأنجز الله له وعده، وأراه صدق أنبائه

159

في إكماله للمسلمين دينه، واستقامة سنته فيهم، وظهور شرائعه عليهم. قد أبان لهم موبقات الأعمال، ومفظعات الذنوب، ومهبطات الأوزار، وظلم الشبهات، وما يدعوا إليه نقصان الأديان، وتستهويهم به الغوايات؛ وأوضح لهم أعلام الحق، ومنازل المراشد، وطرق الهدى، وأبواب النجاة، ومعالق العصمة، غير مدخر لهم نصحا ولا مبتغ في إرشادهم غنما. فكان مما قدم إليهم فيه نهيه، وأعلمهم سوء عاقبته، وحذرهم إصره، وأوعز إليهم ناهيا وواعظا وزاجرا، الاعتكاف على هذه التماثيل من الشطرنج والمواصلة عليها، لما في ذلك من عظم الإثم، وموبق الوزر، مع مشغلتها عن طلب المعاش، وإضرارها بالعقول، ومنعها من حضور الصلوات في مواقيتها مع جميع المسلمين.

وقد بلغ أمير المؤمنين أن ناسا، ممن قبلك من أهل الإسلام، قد ألهجهم الشيطان بها، وجمعهم عليها، وألف بينهم فيها، فهم معتكفون عليها من لدن صبحهم إلى ممساهم، ملهية لهم عن الصلوات، شاغلة لهم عما أمروا به من القيام بسنن دينهم، وافترض عليهم من شرائع أعمالهم، مع مداعبتهم فيها، وسوء لفظهم عليها. وإن ذلك من فعلهم ظاهر في الأندية والمجالس، غير منكر ولا معيب ولا مستفظع عند أهل الفقه، وذوي الورع والأديان والأسنان منهم؛ فأكبر أمير المؤمنين ذلك وأعظمه، وكرهه واستكبره، وعلم أن الشيطان عندما يئس منه من بلوغ إرادته في معاصي الله عز وجل، بمصر المسلمين ومجمعهم صراحا وجهارا، أقدم بهم على شبهة مهلكة، وزين لهم ورطة موبقة، وغرهم بمكيدة حيله، إرادة لاستهوائهم بالخدع، واجتيالهم

160

بالشبه والمراصد الخفية المشكلة. وكل مقيم على معصية الله، صغرت أو كبرت، مستحلا لها مشيدا بها، مظهرا لارتكابه إياها، غير حذر من عقاب الله عز وجل عليها، ولا خائف مكروها فيها، ولا راهب من حلول سطوته عليها، حتى تلحقه المنية، فتختلجه وهو مصر عليها، غير تائب إلى الله منها، ولا مستغفر من ارتكابه إياها؛ فكم من أقام على موبقات الآثام وكبائر الذنوب، حتى مدته ومخرم أيامه.

وقد أحب أمير المؤمنين أن يتقدم إليهم، فيما بلغه عنهم، وأن ينذرهم ويوعز إليهم، ويعلمهم ما في أعناقهم عليها، وما لهم في قبول ذلك من الحظ، وعليهم في تركه من الوزر، فآذن

161

بذلك فيهم، وأشده في أسواقهم وجميع أنديتهم، وأوعز إليهم فيه. وتقدم إلى عامل شرطتك في إنهاك العقوبة لمن رفع إليه: من أهل الاعتكاف عليها والإظهار للعب بها، وإطالة حبسه في ضيق وضنك، وطرح اسمه من ديوان أمير المؤمنين. وافطمهم عما لهجوا به من ذلك. والتمس بشدتك عليهم فيه وإنهاكك بالعقوبة عليه، ثواب الله وجزاءه، واتباع أمير المؤمنين ورأيه. ولا يجدن أحد عندك هوادة في التقصير في حق الله عز وجل، والتعدي لأحكامه، فتحل بنفسك ما يسوءك عاقبة مغبته، وتتعرض به لغير الله عز وجل ونكاله. واكتب إلى أمير المؤمنين ما يكون منك، إن شاء الله والسلام. (9) رسالة رابعة لعبد الحميد الكاتب

ومن رسائل عبد الحميد هذه الرسالة التي وصف بها الصيد:

عصر المأمون · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٢٨