تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه واثقا بنصيحته قد بلوت منه أمانة تسكنك إليه، وصرامة تؤمنك مهانته، ونفاذا في أمرك يرخي عنك خناق الخوف في إضاعته - لم يأمن أمير المؤمنين تسلل الجند عنك لواذا،

137

ورفضهم مراكزهم، وإخلالهم بمواضعهم، وتخلفهم عن أعمالهم، آمنين تغيير ذلك عليهم، والشدة على من اجترمه منهم، فأوشك ذلك في وهنك، وخذل من قوتك، وقلل من كثرتك.

اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوادك، جليدا، ماضيا، عفيفا، صارما، شهم الرأي، شديد الحذر، شكيم القوة، غير مداهن في عقوبة، ولا مهين في قوة، في خمسين فارسا يحشر إليك جندك، ويلحق بك من تخلف عنك بعد الإبلاغ في عقوبتهم، والنهك لهم، والتنكيل بهم. وليكن بعقوتك

138

في المنزل الذي ترحل عنه، والمنهل الذي تتقوض منه، مفرطا في النقض له، والتتبع لمن تخلف عنك به؛ مشتدا في أهل المنزل وساكنه بالتقدم، موعزا إليهم في إزعاج الجند عن منازلهم، وإخراجهم عن مكامنهم؛ وإيعاد العقوبة الموجعة والنكال المبسل في الأشعار والأبشار، واستصفاء الأموال وهدم العقار لمن آوى منهم أحدا أو ستر موضعه، أو أخفى محله. وحذره عقوبتك إياه في الترخيص لأحد، والمحاباة لذي قرابة، والاختصاص بذلك لذي أثرة وهوادة. ولتكن فرسانه منتخبين في القوة، معروفين بالنجدة؛ عليهم سوابغ الدروع دونها شعار الحشو وجبب الاستجنان؛ متقلدين سيوفهم، سامطين

139

كنائنهم، مستعدين لهيج إن بدههم [أو كمين إن يظهر لهم].

140

وإياك أن تقبل منهم في دوابهم إلا فرسا قويا أو برذونا وثيجا؛

141

فإن ذلك من أقوى القوة لهم، وأعون الظهري على عدوهم، إن شاء الله.

ليكن رحيلك إبانا واحدا، ووقتا معلوما: لتخف المئونة بذلك على جندك، ويعلموا أوان رحيلهم، فيقدموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، وأعلاف دوابهم، وتسكن قلوبهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، ويطمئن ذوو الرأي إلى إبان الرحيل. ومتى يكن رحيلك مختلفا تعظم المئونة عليك وعلى جندك ولا يزال ذوو السفه [والنزق] يترحلون بالإرجاف وينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو رأي بنوم ولا طمأنينة.

إياك أن تظهر استقلالا، أو تنادي برحيل من منزل تكون فيه، حتى تأمر صاحب تعبئتك بالوقوف بأصحابه على معسكرك آخذا بجنبتي فوهته، بأسلحتهم عدة لأمر إن حضر أو مفاجأة من طليعة للعدو إن رأت منكم نهزة، أو لمحت عندكم غرة. ثم مر الناس بالرحيل وخيلك واقفة، وأهبتك معدة، وجنتك واقية، حتى إذا استقللتم من معسكركم، وتوجهتم من منزلكم، سرتم على تعبئتكم بسكون ريح، وهدو حملة، وحسن دعة. فإذا انتهيت إلى منهل أردت نزوله أو هممت بالمعسكر به، فإياك ونزوله إلا بعد العلم بأهله، والمعرفة بمرافقته؛ ومر صاحب طليعتك أن يعرف لك أحواله، ويستثير لك علم دفينه، ويستبطن علم أموره ثم ينهيها إليك على ما صارت إليه؛ لتعلم كيف احتماله لعسكرك، وكيف ماؤه وأعلافه وموضع معسكرك منه، وهل لك - إن أردت مقاما به، أو مطاولة عدوك أو مكايدته فيه - قوة تحملك ومدد يأتيه؛

142

فإنك إن لم تفعل ذلك، لم تأمن أن تهجم على منزل يعجزك ويزعجك عنه ضيق مكانه، وقلة مياهه، وانقطاع مواده، إن أردت بعدوك مكيدة، أو احتجت من أمورهم إلى مطاولة، فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوك، ولم تجد إلى المحاربة والإخطار سبيلا؛ وإن أقمت به أقمت على مشقة وحصر وفي أزل وضيق، فاعرف ذلك وتقدم فيه. فإن أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي وكلت بالناس فوقفت خيله متنحية من معسكرك، عدة لأمر إن غالك، ومفزعا لبديهة إن راعتك، فقد أمنت بحمد الله وقوته فجأة عدوك، وعرفت موقعها من حزرك، حتى يأخذ الناس منازلهم، وتوضع الأثقال مواضعها، ويأتيك خبر طلائعك، وتخرج دبابتك من معسكرك دراجة ودبابا محيطين بعسكرك، وعدة إن احتجت إليها. ولتكن دبابات جندك أهل جلد وقوة، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم، في كل ليلة ويوم نوبا بينهم. فإذا غربت الشمس ووجب

عصر المأمون · الصفحة ٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٢٢