143
نورها، أخرج إليهم صاحب تعبيتك أبدالهم، عسسا بالليل في أقرب من مواضع دبابي النهار، يتعاور ذلك قوادك جميعا بلا محاباة لأحد فيه ولا إدهان.
إياك وأن يكون منزلك إلا في خندق وحصن تأمن به بيات عدوك وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدتك. إذا وضعت الأثقال وحطت أبنية أهل العسكر، لم يمدد طنب، ولم يرفع خباء، ولم ينصب بناء حتى نقطع لكل قائد ذرعا معلوما من الأرض بقدر أصحابه، فيحفروه عليهم خندقا يطيفونه بعد ذلك بخنادق الحسك،
144
طارحين لها دون اشتجار الرماح، ونصب الترسة، لها بابان قد وكلت بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه؛ فإذا فرغ من الخندق كان ذانك الرجلان القائدان بمن معهما من أصحابهما أهل ذلك المركز، وموضع تلك الخيل، وكانوا هم البوابين والأحراس لذينك الموضعين، قد كفوهما وضبطوهما وأعفوا من أعمال العسكر ومكروهه غيرهما.
واعلم أنك إذا كنت في خندق، أمنت بإذن الله وقوته طوارق عدوك وبغتاتهم، فإن راموا تلك منك، كنت قد أحكمت ذلك وأخذت بالحزم فيه، وتقدمت في الإعداد له، ورتقت مخوف الفتق منه؛ وإن تكن العافية استحققت حمد الله عليها، وارتبطت شكره بها، ولم يضررك أخذك بالحزم: لأن كل كلفة ونصب ومئونة إنفاق ومشقة عمل مع السلامة غنم وغير خطر بالعاقبة، إن شاء الله. فإن ابتليت ببيات عدوك أو طرقك رائعا في ليلك، فليلفك حذرا مشمرا عن ساقك، حاسرا عن ذراعك، متشزنا
145
لحربك؛ قد تقدمت دراجتك إلى مواضعها على ما وصفه لك أمير المؤمنين، ودبابتك في أوقاتها التي قدر لك، وطلائعك حيث أمرك، وجندك على ما عبأ لك، قد خطرت عليهم بنفسك؛ وتقدمت إلى جندك، إن طرقهم طارق أو فاجأهم عدو، ألا يتكلم منهم أحد رافعا صوته بالتكبير مغرقا في الإجلاب، معلنا بالإرهاب لأهل الناحية التي يقع بها العدو طارقا، وليشرعوا رماحهم ناشبين بها في وجوههم، ويرشقوهم بالنبل مكتنين بترسهم، لازمين لمراكزهم، غير مزيلي قدم عن موضعها، ولا متجاوزين إلى غير مركزهم، وليكبروا ثلاث تكبيرات متواليات وسائر الجند هادون، لتعرف موضع عدوك من معسكرك، فتمد أهل تلك الناحية بالرجال من أعوانك وشرطتك، ومن انتخبت قبل ذلك عدة للشدائد بحضرتك، وتدس إليهم النشاب والرماح.
وإياك وأن يشهروا سيفا يتجالدون به، وتقدم إليهم ألا يكون قتالهم في تلك المواضع لمن طرقهم إلا بالرماح مسندين لها إلى صدورهم، والنشاب راشقين به وجوههم؛ قد ألبدوا بالأترسة، واستجنوا بالبيض، وألقوا عليهم سوابغ الدروع وجباب الحشو. فإن صد العدو عنهم حاملين على جهة أخرى، كبر أهل تلك الناحية التي يقع فيها كفعل الناحية الأولى، وبقية العسكر سكوت والناحية التي صد عنها العدو لازمة مراكزهم منتطقة الهدو ساكنة الريح، ثم عملت في تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك في إخوانهم.
وإياك أن تخمد نار رواقك؛ وإذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها وأوقدها حطبا جزلا يعرف به أهل العسكر مكانك وموضع رواقك، فيسكن نافر قلوبهم، ويقوى واهي قوتهم، ويشتد منخذل ظهورهم، ولا يرجمون بك الظنون، ويجعلون لك آراء السوء، ويرجفون بك آناء الخوف؛ وذلك من فعلك راد عدوك بغيظه لم يستفلل منك ظفرا، ولم يبلغ من نكايتك سرورا. وإن انصرف عنك عدوك ونكل عن الإصابة من جندك وكانت بخيلك قوة على طلبه أو كانت لك من فرسانك خيل معدة وكتيبة منتخبة، [و] قدرت على أن تركب بهم أكساءهم،
146
وتحملهم على سننهم؛ فأتبعهم جريدة خيل عليها الثقات من فرسانك وأولو النجدة من حماتك؛ فإنك ترهق
147
عدوك وقد أمن من بياتك، وشغل بكلاله عن التحرز منك والأخذ بأبواب معسكره والضبط لمحارسه عليك، موهنة حماتهم لغبة أبطالهم: لما ألفوكم عليه من التشمير والجد، قد عقر الله فيهم، وأصاب منهم، وجرح من مقاتلتهم، وكسر من أماني ضلالهم، ورد من مستعلي جماحهم.