تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

131

يستقبل بعضهم بعضا [في الاختلاف]

132

ويكسع تال متقدما في التردد؛ واجعل ذلك بين قوادك وأهل عسكرك نوبا معروفة، وحصصا مفروضة، لا تعر منها مزدلفا منك بمودة، ولا تتحامل فيه على أحد بموجدة. إن شاء الله تعالى.

فوض إلى أمراء أجنادك وقواد خيلك أمور أصحابهم، والأخذ على قافية أيديهم، رياضة منك لهم على السمع والطاعة لأمرائهم، والاتباع لأمرهم، والوقوف عند نهيهم؛ وتقدم إلى أمراء الأجناد في النوائب التي ألزمتهم إياها، والأعمال التي استنجدتهم لها، والأسلحة والكراع التي كتبتها عليهم؛ واحذر من قواد عليك بما يحول بينك وبين تأديب جندك، وتقويمهم لطاعتك، وقمعهم عن الإخلال بمراكزهم لشيء مما وكلوا به من أعمالهم؛ فإن ذلك مفسدة للجند، مفثأة للقواد

133

عن الجد والإيثار للمناصحة، والتقدم في الأحكام.

واعلم أن في استخفافهم بقوادهم وتضييعهم أمر رؤسائهم دخولا للضياع على أعمالك، واستخفافا بأمرك الذي يأتمرون به ورأيك الذي ترتئي. وأوعز إلى القواد ألا يقدم أحد منهم على عقوبة أحد من أصحابه، إلا عقوبة تأديب في تقويم ميل، وتثقيف أود، فأما عقوبة تبلغ تلف المهجة، وإقامة حد في قطع، أو إفراط في ضرب، أو أخذ مال، أو عقوبة في شعر، فلا يلين ذلك من جندك أحد غيرك، أو صاحب شرطتك بأمرك وعن رأيك وإذنك؛ ومتى لم تذلل الجند لقوادهم، وتضرعهم لأمرائهم؛ توجب لهم عليك الحجة بتضييع - إن كان منهم - لأمرك، أو خلل - إن تهاونوا به - من عملك، أو عجز - إن فرط منهم - في شيء مما وكلتهم به أو أسندته إليهم؛ ولا تجد إلى الإقدام عليهم باللوم وعض العقوبة عليهم مجازا تصل به إلى تعنيفهم، بتفريطك في تذليل أصحابهم لهم، وإفسادك إياهم عليك وعليهم. فانظر في ذلك نظرا محكما، وتقدم فيه برفقك تقدما بليغا؛ وإياك أن يدخل حزمك وهن، أو يشوب عزمك إيثار، أو يخلط رأيك ضياع؛ والله يستودع أمير المؤمنين نفسك ودينك.

إذا كنت من عدوك على مسافة دانية وسنن لقاء مختصر، وكان من عسكرك مقتربا قد شامت طلائعك مقدمات ضلالته وحماة فتنته، فتأهب أهبة المناجز، وخذ اعتداد الحذر، وكتب

134

خيولك، وعب جندك. وإياك والمسير إلا في مقدمة وميمنة وميسرة وساقة، قد شهروا الأسلحة، ونشروا البنود والأعلام. وعرف جندك مراكزهم سائرين تحت ألويتهم قد أخذوا أهبة القتال، واستعدوا للقاء؛ ملتجئين إلى مواقفهم، عارفين بمواضعهم في مسيرهم ومعسكرهم. وليكن ترحلهم وتنزلهم على راياتهم وأعلامهم وفي مراكزهم، قد عرف كل قائد منهم أصحابه مواقفهم: من الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطليعة ، لازمين لها، غير مخلين بما استنجدوا له، ولا متهاونين فيما أهيب بهم إليه؛ حتى تكون عساكرك في منهل تصل إليه، ومسافة تختارها، كأنها عسكر واحد في اجتماعها على العدو، وأخذها بالحزم، ومسيرها على راياتها، ونزولها في مراكزها، ومعرفتها بمواضعها: إن ضلت دابة من موضعها، عرف أهل العسكر من أي المراكز هي، ومن صاحبها، وفي أي المحل حلوله منها، فردت إليه، هداية معروفة بسمت صاحب قيادتها؛ فإن تقدمك في ذلك وإحكامك له طارح عن جندك مئونة الطلب، وعناية المعرفة، وابتغاء الضالة.

ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا ورضا في العامة، وإنصافا من نفسه للرعية، وأخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى الله وطاعته؛ آخذا بهديك وأدبك، واقفا عند أمرك ونهيك، معتزما على مناصحتك وتزيينك، نظيرا لك في الحال وشبيها بك في الشرف، وعديلا في الموضع، ومقاربا في النسب؛

135

ثم أكثف معه الجمع، وأيده بالقوة، وقوه بالظهر، وأعنه بالأموال، واعمده بالسلاح، ومره بالتعطف على ذوي الضعف من جندك ومن أزحفت به دابته وأصابته نكبة: من مرض أو رجلة

136

أو آفة، من غير أن يأذن لأحد منهم في التنحي عن عسكره، أو التخلف بعد ترحله، إلا لمجهود سقما، أو لمطروق بآفة جائحة. ثم تقدم إليه محذرا، ومره زاجرا؛ وانهه مغلظا في الشدة على من مر به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوازك، شادا لهم أسرا، وموقرهم حديدا، ومعاقبهم موجعا، وموجههم إليك فتنهكهم عقوبة، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة.

عصر المأمون · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٢١