124
والنبع؛ أعرابية التعقيب، رومية النصول، مسمومة الصوغ؛ ولتكن سهامها على خمس قبضات سوى النصول، فإنها أبلغ في الغاية، وأنفذ في الدروع، وأشك في الحديد؛ سامطين حقائبهم على متون خيولهم، مستخفين من الآلة والأمتعة والزاد، [إلا ما لا غناء بهم عنه].
125
واحذر أن تكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانك وكتابك؛ فإنك إن وكلته إليهم أضعت مواضع الحزم، وفرطت حيث الرأي، ووقفت دون عزم الروية، ودخل عملك ضياع الوهن، وخلص إليك عيب المحاباة، وناله فساد المداهنة، وغلب عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين ولا عدة ولا حصنا يدرئون به، ويكتهفون بموضعه. والطلائع حصون المسلمين وعيونهم، وهم أول مكيدتك، وعروة أمرك، وزمام حربك. فليكن اعتناؤك بهم، وانتقاؤك إياهم بحيث هم من مهم عملك، ومكيدة حربك؛ ثم انتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصوت، مشهور الاسم، طاهر الفضل، نبيه الذكر؛ له في العدو وقعات معروفات، وأيام طوال وصولات متقدمات؛ قد عرفت نكايته، وحذرت شوكته، وهيب صوته، وتنكب لقاؤه؛ أمين السريرة، ناصح الجيب؛
126
قد بلوت منه ما يسكنك إلى ناحيته: من لين الطاعة، وخالص المودة، وركانة الصرامة، وغلوب الشهامة، واستجماع القوة، وحصافة التدبير. ثم تقدم إليه في حسن سياستهم، واستنزال طاعتهم، واجتلاب موداتهم واستعذاب ضمائرهم؛ وأجر عليهم وعليه أرزاقا تسعهم، وتمد من أطماعهم سوى أرزاقهم في العامة، فإن ذلك من القوة لك عليهم، والاستنامة إلى ما قبلهم.
واعلم أنهم في أهم الأماكن لك، وأعظمها غناء عنك وعمن معك، وأقمعها كبتا لمحادك، وأشجاها غيظا لعدوك. ومن يكن في الثقة، والجلد، والبأس، والطاعة، والقوة، والنصيحة والعدة، والنجدة حيث وصف لك أمير المؤمنين وأمرك به، يضع عنك مئونة الهم؛ ويرخ من خناقك روع الخوف، وتلتجئ إلى أمر منيع، وظهر قوي، ورأي حازم، تأمن به فجآت عدوك، وغرات بغتاتهم، وطوارق أحداثهم؛ ويصير إليك علم أحوالهم، ومتقدمات خيولهم؛ فانتخبهم رأى عين، وقوهم بما يصلحهم من المنالات والأطماع والأرزاق، واجعلهم منك بالمنزل الذي هم به من محارز علاقتك، وحصانة كهوفتك، وقوة سيارة عسكرك. وإياك أن تدخل فيهم أحدا بشفاعة، أو تحتمله على هوادة، أو تقدمه لأثرة؛ أو أن يكون مع أحد منهم بغل نفل،
127
أو فضل من الظهر، أو ثقل
128
فادح، فتشتد عليهم مئونة أنفسهم، ويدخلهم كلال السآمة فيما يعالجون من أثقالهم، ويشتغلون به من عدوهم إن دهمهم منه رائع؛ أو فجأهم منه طليعة. فتفقد ذلك محكما له، وتقدم فيه آخذا بالحزم في إمضائه؛ أرشدك الله لإصابة الحظ، ووفقك ليمن التدبير، وقصد بك لأسهل الرأي وأعوده نفعا في العاجل والآجل، وأكبته لعدوك وأشجاه لهم، وأردعه لعاديتهم.
ول دراجة عسكرك وإخراج أهله إلى مصافهم ومراكزهم رجلا من أهل بيوتات الشرف، محمود الخبرة، معروفا بالنجدة، ذا سن وتجربة، لين الطاعة، قديم النصيحة، مأمون السريرة، له بصيرة بالحق نافذة تقدمه، ونية صادقة عن الإدهان
129
تحجزه. واضمم إليه عدة نفر من ثقات جندك وذوي أسنانهم يكونون شرطة معه؛ ثم تقدم إليه في إخراج المصاف، وإقامة الأحراس وإذكاء العيون، وحفظ الأطراف، وشدة الحذر؛ ومره فليضع القواد بأنفسهم مع أصحابهم في مصافهم، كل قائد بإزاء مكانه، وحيث منزله، قد سد ما بينه وبين صاحبه بالرماح شارعة، والترسة موضونة،
130
والرجال راصدة، ذاكية الأحراس، وجلة الروع، خائفة طوارق العدو وبياته. ثم مره فليخرج كل ليلة قائدا في أصحابه أو عدة منهم إن كانوا كثيرا، على غلوة أو اثنتين من عسكرك، منتبذا عنك محيطا بمنزلك، ذاكية أحراسه، قلقة التردد، مفرطة الحذر، معدة للروع، متأهبة للقتال، آخذة على أطراف المعسكر ونواحيه، متفرقين في اختلافهم كردوسا كردوسا؛