واعلم أن مواضع الأحراس من معسكرك، ومكانها من جندك، بحيث الغناء عنهم والرد عليهم، والحفظ لهم، والكلاءة لمن بغتهم طارقا، أو أرادهم خاتلا؛ ومراصدها المنسل منها والآبق من أرقائهم وأعبدهم؛ وحفظها من العيون والجواسيس من عدوهم. واحذر أن تضرب على يديه أو تشكمه عن الصرامة بمؤامرتك في كل أمر حادث وطارئ إلا في المهم النازل والحدث العام: فإنك إذا فعلت ذلك به، دعوته إلى نصحك، واستوليت على محصول ضميره في طاعتك؛ وأجهد نفسه في ترتيبك، وأعمل رأيه في بلوغ موافقتك وإعانتك؛ وكان ثقتك وردأك وقوتك ودعامتك، وتفرغت أنت لمكايدة عدوك، مريحا لنفسك من هم ذلك والعناية به، ملقيا عنك مئونة باهظة وكلفة فادحة.
واعلم أن القضاء من الله بمكان ليس به شيء من الأحكام، ولا بمثل محله أحد من الولاة؛ لما يجري على يديه من مغاليظ الأحكام ومجاري الحدود. فليكن من توليه القضاء في عسكرك [من ذوي]
112
الخير والقناعة والعفاف والنزاهة والفهم والوقار والعصمة والورع، والبصر بوجوه القضايا ومواقعها، قد حنكته السن وأيدته التجربة وأحكمته الأمور، ممن لا يتصنع للولاية ويستعد للنهزة، ويجترئ على المحاباة في الحكم، والمداهنة في القضاء، عدل الأمانة، عفيف الطعمة،
113
حسن الإنصاف، فهم القلب، ورع الضمير، متخشع السمت، بادي الوقار، محتسبا للخير. ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه؛ وفرغه لما حملته، وأعنه على ما وليته: فإنك قد عرضته لهلكة الدنيا وبوار الآخرة، أو شرف الدنيا وحظوة الآجلة، إن حسنت نيته، وصدقت رويته، وصحت سريرته، وسلط حكم الله على رعيته؛ مطلقا عنانه، منفذا قضاء الله في خلقه، عاملا بسنته في شرائعه، آخذا بحدوده وفرائضه.
واعلم أنه من جندك بحيث ولايتك،
114
الجارية أحكامه عليهم، النافذة أقضيته فيهم؛ فاعرف من توليه ذلك وتسنده إليه. ثم تقدم في طلائعك فإنها أول مكيدتك، ورأس حربك، ودعامة أمرك، فانتخب لها من كل قادة وصحابة رجالا ذوي نجدة وبأس، وصرامة وخبرة، حماة كفاة، قد صلوا بالحرب وذاقوا سجالها، وشربوا مرار كئوسها، وتجرعوا غصص درتها؛ وزبنتهم بتكرار عواطفها، وحملتهم على أصعب مراكبها، وذللتهم بثقاف أودها. ثم انتقهم على عينك، واعرض كراعهم بنفسك؛ وتوخ في انتقائك ظهور الجلد، وشهامة الخلق، وكمال الآلة. وإياك أن تقبل من دوابهم إلا الإناث من الخيل المهلوبة
115
فإنهن أسرع طلبا، وأنجى مهربا، وألين معطفا، وأبعد في اللحوق غاية، وأصبر في معترك الأبطال إقداما.
وخذهم من السلاح بأبدان الدروع، ماذية
116
الحديد، شاكة النسج، متقاربة الحلق، متلاحمة المسامير وأسوق الحديد، مموهة الركب، محكمة الطبع خفيفة الصوغ؛ وسواعد طبعها هندي، وصوغها فارسي؛ رقاق المعاطف بأكف واقية وعمل محكم. ويلمق
117
البيض مذهبة ومجردة، فارسية الصوغ، خالصة الجوهر، سابغة الملبس، واقية الجنن، مستديرة الطبع، مبهمة السرد، وافية الوزن كتريك
118
النعام في الصنعة واستدارة التقبيب، واستواء الصوغ، معلمة بأصناف الحرير وألوان الصبغ؛ فإنها أهيب لعدوهم، وأفت لأعضاد من لقيهم، والمعلم مخشي محذور، له بديهة رادعة، وهيبة هائلة؛ معهم السيوف الهندية، وذكور البيض اليمانية؛ رقاق الشفرات، مسنونة الشحذ، مشطبة
119
الضرائب. معتدلة الجواهر، صافية الصفائح؛ لم يدخلها وهن الطبع، ولا عابها أمت
120
الصوغ، ولا شانها خفة الوزن، ولا فدح حاملها بهور الثقل؛ قد أشرعوا لدن القنا، طوال الهوادي، مقومات الأود، زرق الأسنة، مستوية الثعالب؛
121
وميضها متوقد، وسنخها
122
متلهب، معاقص
123
عقدها منحوتة، ووصوم أودها مقومة، وأجناسها مختلفة، وكعوبها جعدة، وعقدها حبكة؛ شطبة الأسنان، مموهة الأطراف، مستحدة الجنبات، دقاق الأطراف، ليس فيها التواء أود، ولا أمت وصم، ولا بها مسقط عيب، ولا عنها وقوع أمنية؛ مستحقبي كنائن النبل وقسي الشوحط