92
بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه محمود الصبر فيه عند الله من قتال عدو المسلمين، أكلبهم
93
عليه وأظهره عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامتهم، وآخذه بربقهم، وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره عليهم فسقا وفجورا، وأشده على فيئهم الذي أصاره الله لهم وفتحه عليهم مئونة وكلا.
94
والله المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكل أمير المؤمنين، وإياه يستصرخ عليهم، وإليه يفوض أمره، وكفى بالله وليا وناصرا ومعينا، وهو القوي العزيز.
ثم خذ من معك من تباعك وجندك بكف معرتهم، ورد مشتعل جهلهم، وإحكام ضياع عملهم، وضم منتشر قواصيهم، ولم شعث أطرافهم، وتقييدهم عمن مروا به من أهل ذمتك وملتك بحسن السيرة، وعفاف الطعمة، ودعة الوقار، وهدى الدعة، وجمام المستجم، محكما ذلك منهم، متفقدا لهم تفقدك إياه من نفسك. ثم اصمد لعدوك المتسمى بالإسلام، الخارج من جماعة أهله، المنتحل ولاية الدين مستحلا لدماء أوليائه، طاعنا عليهم، راغبا عن سنتهم، مفارقا لشرائعهم؛ يبغيهم الغوائل، وينصب لهم المكابد؛ أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، وأطلب لغرات فرصهم من الترك وأمم الشرك وطواغي الملل؛ يدعو إلى المعصية والفرقة، والمروق من دين الله إلى الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة والبدع المتفرقة خسارا وتخسيرا، وضلالا وتضليلا، بغير هدى من الله ولا بيان. ساء ما كسبت له يداه وما الله بظلام للعبيد، وساء ما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد:
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
حصن جندك، واشكم نفسك بطاعة الله في مجاهدة أعدائه، وارج نصره، وتنجز موعوده، متقدما في طلب ثوابه على جهادهم، معتزما في ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم: فإن طاعتك إياه فيهم، ومراقبتك له ورجاءك نصره مسهل لك وعوره، وعاصمك من كل سبة، ومنجيك من كل هوة، وناعشك من كل صرعة، ومقيلك من كل كبوة، ودارئ عنك كل شبهة، ومذهب عنك لطخة كل شك، ومقويك بكل أيد
95
ومكيدة، ومعزك في كل معترك قتال، ومؤيدك في كل مجمع لقاء، وكالئك عند كل فتنة مغشية،
96
وحائطك من كل شبهة مردية؛ والله وليك وولى أمير المؤمنين فيك، والمستخلف على جندك ومن معك.
اعلم أن الظفر ظفران: أحدهما - وهو أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالة، وأحوطه سلامة، وأتمه عافية، وأحسنه في الأمور وأعلاه في الفضل شرفا، وأصحه في الروية حزما، وأسلمه عند العامة مصدرا - ما نيل بسلامة الجنود، وحسن الحيلة، ولطف المكيدة ويمن النقيبة، واستنزال طاعة ذوي الصدوف بغير إخطار الجيوش في وقدة جمرة الحرب، ومبارزة الفرسان في معترك الموت؛ وإن ساعدتك طلوق الظفر، ونالك مزيد السعادة في الشرف، ففي مخاطرة التلف مكروه المصائب، وعضاض السيوف وألم الجراح، وقصاص الحروب وسجالها بمغاورة
97
أبطالها. على أنك لا تدري لأي يكون الظفر في البديهة، ومن المغلوب بالدولة، ولعلك أن تكون المطلوب بالتمحيص، فحاول إصابة أبلغهما في سلامة جندك ورعيتك، وأشهرهما صيتا في بدو تدبيرك ورأيك، وأجمعهما لألفة وليك وعدوك، وأعونهما على صلاح رعيتك وأهل ملتك، وأقواهما شكيمة في حزمك، وأبعدهما من وصم عزمك، وأعلقهما بزمام النجاة في آخرتك، وأجزلهما ثوابا عند ربك.
وابدأ بالإعذار إلى عدوك، والدعاء لهم إلى مراجعة الطاعة وأمر الجماعة وعز الألفة، آخذا بالحجة عليهم، متقدما بالإنذار لهم، باسطا أمانك لمن لجأ إليك منهم، داعيا لهم إليه بألين لفظك وألطف حيلك، متعطفا برأفتك عليهم، مترفقا بهم في دعائك، مشفقا عليهم من غلبة الغواية لهم وإحاطة الهلكة بهم، منفذا رسلك إليهم بعد الإنذار: تعدهم إعطاء كل رغبة يهش إليها طمعهم في موافقة الحق، وبسط كل أمان سألوه لأنفسهم ومن معهم ومن تبعهم؛ موطنا نفسك فيما تبسط لهم من ذلك على الوفاء بعهدك، والصبر على ما أعطيتهم من وثائق عقدك؛ قابلا توبة نازعهم عن الضلالة، ومراجعة مسيئهم إلى الطاعة؛ مرصدا للمنحاز إلى فئة المسلمين وجماعتهم إجابة إلى ما دعوته إليه وبصرته إياه من حقك وطاعتك، بفضل المنزلة، وإكرام المثوى، وتشريف الجاه. وليظهر من أثرك عليه وإحسانك إليه ما يرغب في مثله الصادف عنك، المصر على خلافك ومعصيتك؛ ويدعو