تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

98

إلى اعتلاق حبل النجاة وما هو أملك به في الاعتصام عاجلا، وأنجى له من العقاب آجلا، وأحوطه على دينه ومهجته بدءا وعاقبة؛ فإن ذلك مما يستدعي به من الله نصره عليهم، ويعتضد به في تقديمه الحجة إليهم، معذرا أو منذرا، إن شاء الله.

ثم أذك عيونك على عدوك متطلعا لعلم أحوالهم التي يتقلبون فيها، ومنازلهم التي هم بها، ومطامعهم التي قد مدوا أعناقهم نحوها، وأي الأمور أدعى لهم إلى الصلح، وأقودها لرضاهم إلى العافية ، وأسهلها لاستنزال طاعتهم، ومن أي الوجوه مأتاهم: أمن قبل الشدة والمنافرة والمكيدة والمباعدة والإرهاب والإيعاد، أم الترغيب والإطماع؛ متثبتا في أمرك، متخيرا في رويتك، مستمكنا من رأيك، مستشيرا لذوي النصيحة الذين قد حنكتهم السن، وخبطتهم التجربة، ونجذتهم الحروب، متشزنا

99

في حربك، آخذا بالحزم في سوء الظن، معدا للحذر، محترسا من الغرة؛ كأنك في مسيرك كله ونزولك أجمع مواقف لعدوك رأى عين تنتظر حملاتهم، وتتخوف كراتهم، معدا أقوى مكايدك، وأرهب عتادك، وأنكأ جدك، وأجد تشميرك؛ معظما أمر عدوك لأعظم مما بلغك، حذرا يكاد يفرط: لتعد له من الاحتراس عظيما، ومن المكيدة قويا؛ من غير أن يفثأك

100

ذلك عن إحكام أمورك، وتدبير رأيك، وإصدار رويتك، والتأهب لما يحزبك، مصغرا له بعد استشعار الحذر، واضطمار الحزم، وإعمال الزوية، وإعداد الأهبة. فإن ألفيت عدوك كليل الحد، وقم

101

الحزم، نضيض

102

الوفر، لم يضرك ما اعتددت له من قوة وأخذت له من حزم، ولم يزدك ذلك إلا جرأة عليه، وتسرعا إلى لقائه. وإن ألفيته متوقد الحرب، مستكثف الجمع، قوي التبع، مستعلي سورة الجهل، معه من أعوان الفتنة وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعرا، ويتقدم إلى لقاء أبطالها متسرعا، كنت لأخذك بالحزم، واستعدادك بالقوة، غير مهين الجند، ولا مفرط في الرأي، ولا متلهف على إضاعة تدبير، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهب مبادرة تدهشك، وخوفا يقلقك. ومتى تغتر بترقيق المرققين، وتأخذ بالهوينا في أمر عدوك لتصغير المصغرين، ينتشر عليك رأيك، ويكون فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك، وإهمال للحزم في جندك، وتضييع له وهو ممكن الإصحار، رحب المطلب، قوي العصمة، فسيح المضطرب؛ مع ما يدخل رعيتك من الاغترار والغفلة عن إحكام أحراسهم، وضبط مراكزهم، لما يرون فيه من استنامتك إلى الغرة، وركونك إلى الأمن، وتهاونك بالتدبير؛ فيعود ذلك عليك في انتشار الأطراف، وضياع الأحكام، ودخول الوهن بما لا يستقال محذوره، ولا يدفع مخوفه.

احفظ من عيونك وجواسيسك ما يأتونك به من أخبار عدوك. وإياك ومعاقبة أحد منهم على خبر إن أتاك به اتهمته فيه أو سؤت به ظنا وأتاك غيره بخلافه، أو أن تكذبه فيه فترده عليه، ولعله أن يكون قد محضك النصيحة وصدقك الخبر وكذبك الأول، أو خرج جاسوسك الأول متقدما قبل وصول هذا من عند عدوك، وقد أبرموا لك أمرا، وحاولوا لك مكيدة وأرادوا منك غرة فازدلفوا إليك في الأهبة، ثم انتقض بهم رأيهم واختلف عنه جماعتهم، فأرادوا رأيا، وأحدثوا مكيدة، وأظهروا قوة، وضربوا موعدا، وأموا مسلكا لمدد أتاهم، أو قوة حدثت لهم، أو بصيرة في ضلالة شغلتهم؛ فالأحوال بهم متنقلة في الساعات، وطوارق الحادثات. ولكن البسهم جميعا على الانتصاح، وارضخ لهم بالمطامع، فإنك لن تستعبدهم بمثلها. وعدهم جزالة المثاوب، في غير ما استنامة منك إلى ترقيقهم أمر عدوك، والاغترار إلى ما يأتونك به دون أن تعمل رويتك في الأخذ بالحزم، والاستكثار من العدة. واجعلهم أوثق من تقدر عليه، وآمن من تسكن إلى ناحيته، ليكون ما يبرم عدوك في كل يوم وليلة عندك إن استطعت ذلك، فتنقض عليهم برأيك وتدبيرك ما أبرموا، وتأتيهم من حيث أمنوا، وتأخذ لهم أهبة ما عليه أقدموا، وتستعد لهم مثل ما حذروا.

عصر المأمون · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢١٧